الجمعة، 26 فبراير، 2010

أولاد شلتنا (4) - راؤول



إبن الشهيد والنخيل القادم من مدنى ،( أوجهنا ) و ( أحنكنا )، سفيرنا فوق العادة لدى الكليات المجاورة ( الأسنان والصيدلة ) و مندوبنا السامى لدى الحسان . .
عرفت راؤول باكرا ، فهو بطبعه حلو المعشر و ذلق اللسان . ترتاح له ما إن تلقاه ، فتحس أنه كتاب مفتوح أمامك ويأسرك بطيبة قلبه وحلو حديثه.
توثقت علاقتى براؤول بعد أن جاورنا وأولاد مدنى فى غرفة بداخلية حسيب . كنا ( برالمة ) فى كلية الطب ، ( مسطحين ) تماما و قد دخلت فينا ( خلعة ) - لن تخرج منا إلا بعد حين – من المحاضرات باللغة الإنجليزية لأول مرة فى حياتنا. وتكفل أولاد مدنى ومعهم راؤول بإدخال مزيد من الرعب فى قلوبنا ، فبينما كانت ( لمبتنا ) أنا وأولاد عطبرة تطفأ يوميا الساعة العاشرة ، كنا نلحظ نور أولاد مدنى - من خلال ( الخرم ) الصغير بين الغرفتين – يكاد لا يطفأ أبدا ، مما أصابنا باليأس وكدنا أن نصل لقناعة أننا لن ( نأكل عيش ) فى كلية الطب مع هؤلاء الشباب.
والغريب ، أن راؤول لاحقا سيطلب ( حق اللجوء الأكاديمى ) لدينا ، مغادرا أولاد مدنى لغرفتنا فى بداية السنة السادسة ، مطلقا النور الذى لا يطفأ والتحديق الدائم فى ضخام المراجع لصحبه السابقين وشعوره معهم دوما كأن الأمتحان غدا!
ورغم قدرات راؤول ( التحنيكية ) البالغة ، وشعبيته البالغة لدى الحسناوات ، إلا أن الجميع شهد له بعفة القلب وطهارة اللسان ونزاهة النوايا .و على راؤول فصل قول الشاعر :

وكم قد خلوت بمن أهوى فيمنعننى ** منه الحياء وخوف الله والحذر
وكم قد خلوت بمن أهوى فيقنعننى ** منه الفكاهة والتحديث والنظر
أهوى الملاح وأهوى أن أجالسهم ** وليس لى فى حرام منهم وطر
كذلك الحب لا إتيان معصية ** لا خير فى لذة من بعدها صقر

ولراؤول صولات وجولات سميتها أنا ( العهود الراؤوليه ) ، العهد الراؤولى الأول والثانى والتالت . . إلخ ، أحب مرة ( حنكوشة ) من برجوازية القوم ، وبعد مضى زمن فى العلاقة و( راحت السكرة وجاءت الفكرة ) ، طالبته ذات جلسة بخطة عمل بتواريخ وسقوف زمنية ، وكان راؤول حينها ( سنكوحا ) مثلنا يسكن الداخلية يأكل الفول ويمشى فى الأسواق ، فضرب أخماسا فى أسداس وعد عشرات النجوم قبل ان يجيبها أنه بعد التخرج والزواج ( ربما أستطاع أن يؤجر بيتا فى أركويت ) ، فكانت الإجابة القاتلة ( أن أركويت ( العفنة ) دى لا تستطيع هى أن تسكن فيها ! ).
وعندما تناهى الخبر إلى عاصم ( ميرغنى ) وهو من سكان أركويت ، طلب من راؤول غاضبا أن يبعد ( أركويتهم ) من غرامياته !
الغريب أن معظم الصور التى عندى لراؤول حاملا لسيجارة ، وهذا لا يعنى بطبيعة الحال أنه مدخن شره وربما عنى عدم توفيقى فى إختيار الزمان والمكان.
فى الصورة السابقة ( كسلا 2004 ) ، كانت المقصودة شذى بلة بطبيعة الحال ، ولكننى بعد ما أعدت التدقيق فى الصورة وجدت راؤول فى الخلفية يهم بإشعال سجارة ، ولا أدرى كيف فاتت على راؤول – الرجل المهذب الجنتل مان – أن يشعل سجارة بحضرة حسناء مثل شذى بلة !
حظيت وأشرف ( قبيلة ) ذات صيف عام 1999 بالإستمتاع بضيافة راؤول وكرم أسرته الحاتمى فى منزلهم بحى مايو بمدنى ، وعرفنا من اين أتى راؤول بطيب الخصال ودماثة الخلق . وعندما فاجأت الحضور فى كلمة التخريج التى القيتها نيابة عن الدفعة بذكر عشر أمهات كعرفان لأمهات أبناء الدفعة كانت الأستاذة الفاضلة ( أم محمد ) على صدر القائمة التى ضمت أمهات كريمات لجمع من خيرة أولاد وبنات دفعتنا ، محمد على الحسين ، خالد صديق ، مأمون واخرين إتبعت حيلا عديدة لمعرفة أسماء أمهاتهم قبل يوم التخريج من دون إفساد المفاجأة . .
جمعتنى براؤول من بعد التخرج محافل شتى ، فهو رفيقى فى أيام الشدة بميز سوبا ، وبمستوصف مهيرة بالرياض ،
وانتهينا فى فى مكانين غير بعيدين ذات حين فى جنوب السودان ، فكنت أنا فى عدارييل وكان هو فى مكان نسيت إسمه ولكنه كان قريبا بما يكفى ليزورنى ويضحك على ذقنى و ( تفتى ) التى أطلقتها فى الجنوب. وعندما سأل عن سجارة – عارفا بأننى لست من المدخنين-تطوع عمنا المساعد الطبى بسؤال أحد المهندسين الذى تبرع له بعلبة كاملة .
راؤول ، قطع شوطا كبيرا فى إحراز زمالة الكلية الملكية الإيرلندية للجراحين .فرقت بيننا الدنيا ، فانتهيت أنا إلى أمريكا ومضى هو ليغالب الصقيع فى البلاد ( التى تموت من البرد حيتانها ).
مشتاق لراؤول وقفشاته جدا . ولعل هذا الحديث يكن سببا فى تكرمه علينا ( بسلك ) .فقد أصبحنا فى قاع أولوياته بعد أن أكمل نصف دينه وتزوج تاركا رفاقه أسرا للعزوبية و( الوسادة الخالية )
!

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

ملحوظة: يمكن لأعضاء المدونة فقط إرسال تعليق.