الأربعاء، 2 أكتوبر، 2013

من يأكل لنا منسأة النظام؟




لو لم يكن لثورة ٢٣ سبتمبر المجيدة من فضل علينا إلا كشفها عن موت النظام لكفاها. ولأنّ الطغاة يقرأون من كتاب واحد، فقد جاءت الثورة لتُرينا في عصابة الإنقاذ ذات العلامات ممّا يقصه التاريخ دوما عن الإستبداد حين زواله وأنظمة الطغاة حين إحتضارها، وهي قصر النظر و إستمراء الكذب وبطش الخائفين.

تعمد الأنظمة الدكتاتورية حين تنتفض عليها شعوبها إلي إنكار ما يراه الجميع جلياً كضوء الشمس وتُسمّيه بغير أسمائه. يقع في إعتقاد الطّغاة كلما تطاول أمدهم في الحكم أن وجودهم فيه ليس لتقاصر همم شعوبهم وعجزها عن الإتيان بغيرهم أو لبطشهم بهذه الشعوب عند أي بادرة للحراك، وإنما لأنّهم أحقّ الناس به وأنّهم ،لا شريك لهم، من يُبدي في مصائر البلاد ويُعيد. وإنّهم إذ تصوّر لهم أذهانهم صدق هذا الخطل، يعمدون إلي تغليفه بأسماء تزين قبحه، فهو "الشرعية الثورية" حيناً و "حماية البلاد" حينا آخر أو، في حالتنا أخيراً، "عبادة"!، حتى إذا جاء أمر الله وفار تنّور الشعب وأزال عنه الغلاف، عاد إلي ما هو عليه من قبح.

الغريب أن  كلّ الطغاة يربطون أنفسهم بالوطن رباطاً لا فكاك منه، يقع في إعتقادهم أن ذهابهم يعني ذهاب الوطن، وأنّ وجودهم قمين ببقاء الوطن وطناً، وأنّه لولاهم لتخطّفنا الطير وتقاذفتنا الخطوب. يربط بين الأنظمة الدكتاتورية في كل مكان الإعتقاد الجازم بأنها الوحيدة القادرة على تولي مسؤولية الحكم، وأن جميع من سواها قاصر وعاجز. يعتقد الطاغية مع مرور الزمن أنه فقط، لا شريك له، القادر على حكم هذا الشعب المسكين الذي لولاه لإكتنفه الضياع. الغريب أن هذا الإفتراض أثبت التاريخ مرارا خطله، فالقبور والسجون مليئة بمن ظنوا أنهم لا غنى لشعوبهم عنهم، فذهبوا وبقيت الشعوب.

لقد كشفت لنا هبّة سبتمبر أن النظام -بكل جبروته وآلته الأمنية التى عكف على بنائها من قوت شعبه على مدار ربع قرن- خائف. بل أنه يرتجف رعبا. ولم أره طيلة سنين عكوفه في الحكم بهذا الإرتباك والطيش، يقابل صدور الشباب اليفّع، ممّن "لم يكن في فمهم أكثر من هتاف ولم يكن في يدهم أكثر من حجر" بالكلاش والدوشكا، ثم يكذب في تفسير ذلك كذباً أبلق.

النظام خائف لأنه قد علم أن الشعب ما عادت تخدّره شعارات الدولة الإسلامية والمشروع الحضاري والصبر على مكاره الإنقاذ لأنها تدفع فاتورة "تطبيقها لشرع الله" و "إستهدافها من أعداء الله" .. هذا الهراء لم يعد يقنع حتى منسوبي النظام فكفّوا عن ترديده. لقد عرف الشّعب النظام على حقيقته منذ أمد ليس بالقريب: عصابة ممن يكثرون عند الطمع ويقلون عند الفزع، لا يجمعهم سوى نهب هذا الشعب ومص دمائه بعد أن قذفوا بالأيدلوجيا إلي مزبلة التاريخ.

وممّا زاد رعب النظام أنه قد أيقن أن الشعب قد ودّع الجبن والإستكانة إلي غير رجعة .. هال منسوبو النظام هبّة أولئك الشباب الصغار ممن نشأوا في عهد التّيه وتصديهم لآلات القتل بصدورهم العارية، فرأى نهايته تلوح في الأفق القريب، فأراد تأجيلها بالمزيد من البطش.

ويعلم النظام أن سُمّاره قد إنفضّوا من حوله، أولئك الذين قد أتوا به وجمعتهم حوله الفكرة والتنظيم، وقدّم الكثير منهم أرواحهم في سبيله في أحراش الجنوب، بل وكانوا على إستعداد لتقديم هذه الأرواح في الخرطوم لإعتقادهم حينها أنهم إنما يحمون الفكرة في شكل الدولة وانه إنّما "من جماجمهم ترسى زواياها".
أذكر إنني كنت أشاهد حلقة من (في ساحات الفداء) إبان هبّة لطلاب جامعة الخرطوم في منتصف التسعينات، وقد عمد المخرج فيها على المقارنة بين صور للطلاب "المجاهدين" في أحراش الجنوب و" المخرّبين" في جامعة الخرطوم، وختم البرنامج بجملة ذات دلالات وإيحاءات أن "هؤلاء الذين ذهبوا طلبا للشهادة في الجنوب، ما أسعدهم لو وجدوها في الخرطوم".

النظام إذاً في هم عظيم لأنه قد علم أن أولئك الذين كانوا سيطلبون الشهادة في الخرطوم قد فارقوا فسطاطه لغير رجعة، لأنهم علموا كما علمنا أن قادتهم قد ودّعوا الفكرة منذ حين طويل، وعملوا للدنيا فاتّخذوا القصور فارهين ومن النساء مثنى وثلاث ورباع، وأن الطّريق قد أضحى ليس لمن سبق أو من صدق، بل لمن نافق وسرق.
يعلم النظام أن من بقى حوله ليس سوى مجموعة من المنتفعين، لن يجدهم عند الشدائد، يرى مآلاتهم في شواهد التاريخ القريب، في عضوية الحزب الوطني المصري "المليونية"، وجماهير اللجان الشعبية "الثائرة" و جموع الحزب الدستوري (حزب بن علي) "الهادرة". ويعلم أن النّهاية المحتومة قد إقتربت، وأن المنية قد أنشبت أظفارها ولن تنفعه حينها التمائم.

الفرق بيننا وبين جِنّة نبي الله سليمان عليه السلام أننا نعلم بأن النظام قد مات، وأن شعبنا لن يلبث بعده في العذاب المهين.