الجمعة، 26 فبراير، 2010

أولاد شلتنا (2) - جندي




فى ذات صيف قائظ ، إندفع احد الزملاء متصببا عرقا إلى قاعة ( التجانى الماحى ) ، وكان عبد الله الجنيد يحتل موقعا مميزا بجانب أحد مكيفات الفريون . قال صاحبنا لعبدالله ( جندى نميرى عليك الله ( ألعب ) المكان ده لأخوك لأنو جايى من بره مسخن ) ، فتنازل عبدالله من المكان ، ولصق به اللقب .
أول ما ( إكتشفت ) جندى كان جالسا القرفصاء على النجيلة أمام البغدادى يتلو علينا ( رسالة إلى إيلين ) ضمن ما سميناه ( منتدى مرافئ الكلم ) وسماه السناير ( فياقة البرالمة ) . لم يكن من السهل أن تخطئ جندى ، فقد إختار أن يجلس بجوار زميلتنا الفلسطينية الشقراء الفاتنة . ولما كان علينا النظر بإتجاه جندى لكونه صاحب المساهمة ، لم نفقه فى الحقيقة حرفا مما يقول .
قررنا أنا وجندى السكن سوية فى الداخلية فى مطلع السنة الثالثة ، وتكوين غرفة ( نموذجية ) كان من شروط الإنضمام إليها عدم التدخين والتتمبك وعدم الإنتماء لأى تنظيم سياسى . فقد خضت تجربة قاسية بسكنى فى السنة الثانية مع عزو ( محايد ) وسامى ( إتحادى ) ، ومن نافلة القول أن الغرفة قد تحولت إلى مناظرات لا تنتهى ومرسم ومكتب لإصدار الجرائد السياسية .
كنت محظوظا للغاية بصحبة جندى ، فبالإضافة للإهتمامات المشتركة ، كان عبدالله رجلا متعدد المواهب وخفيف الظل وحاضر النكتة . أعلن يوما أنه ( سيعلمنى ) الإستماع للكابلى ، وقادنى لجامعة النيلين لحضور حفلة . وعندما أصبحت أنا من عشاق الكابلى ، ترك جندى الإستماع للغناء تماما و ( تمولن ) .
كان جندى يمثل ( هيئة التحرير ) الخفية التى تراجع المواضيع التى تنشر فى صحيفتى الحائطية . وكان عبدالله السبب فى أكبر محنة كادت أن تعصف بنا وبالصحيفة .
فى ذات يوم ، أحضرت للداخلية مقالا لزميلتنا الفلسطينية الشقراء – وكانت من كبار كتاب صحيفتى وأنصعهم قلما – وقلت لجندى إننى لن انشر هذا المقال . كان المقال الذى حمل عنوان ( مملكة النمل ) يحتوى على إساءات مبطنة لطلاب الكلية ، ولما كنت أعلم أن السودانيين حساسين تجاه النقد الأجنبى ، فقد قدرت أن المقال سيثير عاصفة من الإنتقادات . أصر جندى على نشر المقال ، فهو لم يكن من المعجبين بالشقراء خصوصا والطلاب الفلسطينيين عموما ، ووجدها فرصة سانحة لإقتناص الطرفين . وعكف من ساعته على إعداد رد نارى حتى قبل نشر ( مملكة النمل ) .
بعد نشر مقال الشقراء ، ثارت ثائرة الطلاب السودانيين وامتلأت الكافتريا على سعتها بالردود العاصفة . أحس الطلاب أنهم قد أهينوا من شخص أجنبى رأى بعضهم أنه ممتلئ شخصيا بالعيوب . ( فشقراوية ) الشقراء ، و ملابسها التى رأى الكثيرون أنها لا تليق بمجتمعنا السودانى – كانت مستفزة وتجعل منها على الأقل شخصا لا يحق له التحدث عن أخلاق السودانيين .
وبعد نشر رد عبدالله المعنون ( على نفسها جنت براقش ) ، جاء الدور فى الثورة هذه المرة على الطلاب الفلسطينيين . تداعوا من كل حدب وصوب ، وضاقت بجموعهم كلية الطب على سعتها ، وأصدروا بيانا بإسم إتحادهم العام ، وكادت أن تندلع حرب بين الطرفين لولا لطف الله .
لم يكتف جندى فى ( على نفسها جنت براقش ) بإنتقاد الشقراء ، بل تجاوزها ليفرغ شحنة غضبه المخزون منتقدا أخلاق الطلاب الفلسطينيين عموما ، وعطف على الشعب الفلسطينى بأكمله متهما إياه ( بإفتقاره لأخلاق الشعب الواحد ) ، ومن ثم إستغل ثقافته العالية فى حشد المقال بالأمثلة التاريخية والآنية التى تدعم كلامه ، ففوجئ الفلسطينيون بمقال ينقب فى أسوأ مواقفهم التاريخية ويمتلئ بالإستشهادات بمن خانوا نضال الشعب الفلسطينى وباعوا قضيته ممن سمعوا به ومن لم يسمعوا .
زاد الطين بلة كاركتير رسمه مأمون للشقراء فى شكل نملة بذات اللبس المستفز . بعد أيام من الشد والجذب ، قمنا بسحب جميع المقالات ، ومرت العاصفة بسلام ، وبدأت مرحلة التطبيع!
فوجئ الناس بصاحبنا جندى يوما يجلس فى ركن قصى من نجيلة البغدادى جنبا إلى جنب مع الشقراء و صديق فلسطينى مشترك بذل جهودا مضنية لإزالة الإشكال . وبعد ذلك ، أصبح جندى صديقا جيدا للشقراء مطبقا مقولة ( مافى محبة إلا من بعد عداوة ) فى أعلى صورها ، رغم أن بعض المرجفين إتهموه بإختلاق الموضوع من البداية لينال ( القرب ) !
إمتاز جندى بحب الدعابة . فى الصورة أعلاه التى تجمعنا بالحردلو ، لم يكن عبدالله فى الحقيقة يشير لشئ ما ، ولكنه ما إن رأى عرفات يستعد لأخذ الصورة مد أصبعه ليبدو كمن يشرح شيئا ما للحردلو . كان عبد الله ومأمون قد إستضافوا الحردلو فى ليلة شعرية ضمن معرض اقاماه بإسم ( معرض الرسم و التصوير الفوتغرافى ) . كان مأمون ولازال رساما بارعا ، وكانت كاميرا عبدالله أعجوبة . فهو دائما يستطيع أن يخلق بعدسته من مناظر عادية يومية ما يسر العين ويدهشها .
فى مرحلة ما ، خلقت رواية جمال الغيطانى المدهشة ( الزينى بركات ) حبل أنس لا ينتهى بينى وبين عبدالله . فالرواية التى أسرت كلانا لدرجة حفظنا لكثير من جملها ، وجدت طريقها لونستنا العادية ورسائل الموبايل المتبادلة بيننا ، وعندما عثرت عليها مسجلة فى إحدى إصدارات ( الكتاب المسموع ) ، لم يفارق الشريط مسجل ( أتوس ) عبد الله . الغريب أن هذا الغيطانى بتميزه اسلوبه الروائى الفذ وقدرته السردية التى لا تضاهى ، لم يحزعلى شهره بين الجمهور العربى كالتى حازها أدباء أقل منه وزنا وإنتاجا .
فى عام 2000 إتفقت وجندى على القيام بزيارة مشتركة لمصر بعد نهاية السنة الرابعة . توجهت أنا للقاهرة ، بينما غير عبدالله وجهته وحل بمكة لأداء العمرة . هنا يمكن تسمية هذا الجزء من حياة جندى ب( عبد الله ما بعد العمرة ) . تمولن صاحبنا ، هجر الونسة مع الجنس اللطيف وشرائط الكابلى ووردى وكورسات تعلم الموسيقى ويمم شطر المديح النبوى واولاد البرعى ، وحرمنا من القفشات الموحية بيد إنه إحتفظ بتلك غير الموحية .
تقدم لى زميل مرة بقصيدة قال بفخر أنها من تأليفه لنشرها فى ( لافتات ) – صحيفتى الحائطية . كانت ( العصيدة ) عبارة عن كلام ( ملتق ) وغير موزون ينتهى كله بكلمات من شاكلة ( أصول ، أقول ، أجول ... ). وحوت بيتا صرح فيه شاعرنا أنه ( . . . . أريد أن أبول ) ، وقد أسر لى بأنه ينبغى له أن يحذف هذا البيت لأنه ربما لم يكن مناسبا . فى الداخلية عندما قرأ جندى القصيدة ، إستلقى على قفاه من الضحك قائلا أن البيت المحذوف هو ( أجضم ) ما فى القصيدة وأنه لا يمكن لى حذفه .
كنائب إختصاصى فى الأشعة ، يمارس صاحبى الطب هذه الأيام فى مستشفى سوبا ، فعبدالله يرى أننا قد تعذبنا كفاية اثناء دراسة الطب وممارسته ، وانه قد آن لنا أن نمارس طبا لا يحتوى على الكثير من الضغط النفسى وبعيدا عن أوجاع الناس التى يزيد من وطأتها على النفس قلة الحيلة ولا مبالاة الدولة .
أما الزواج ، فلا أظن أنه فى أجندة ( جندى ) المعلنة .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

ملحوظة: يمكن لأعضاء المدونة فقط إرسال تعليق.