الجمعة، 26 فبراير، 2010

أولاد شلتنا (3) - ممو





كغيره من أفراد الشلة كان ممو – مأمون عبدالله – متعدد المواهب . فمأمون رسام بارع للوجوه وحلاق ماهر للرؤوس . تميز( ممو) من دوننا بحب لا محدود لأبوعركى وأغانيه . كان يبدأ يومه منذ الصباح بترنيم إحدى أغانى أبوعركى التى يحفظ جميعها عن ظهر قلب . وكان من أسعد الناس عندما إكتشفنا وجود حفيدة عثمان حسين بين بنات دفعتنا ، فقد كان أيضا من كبار عشاق الأحير .
الصدفة البحتة – الجميلة - هى التى جمعتنا بممو . كنا وقوفا أنا وعبدالله بحسيب جوار غرفتنا ( النموذجية ) محتارين فى كيفية إكمال سكانها بمن تنطبق عليهم ( المواصفات ) . مر ( ممو) وسألنا عن السكن هذا العام وعن وجود أى خانات شاغرة . وبعد أن ذهب سألنى عبدالله عن إمكانية ضم (ممو) للغرفة فأجبته ألا مانع . فأدركناه بصعوبة بعد أن يمم باب الخروج وقبل عرضنا فى أن ينضم إلينا .القرار الأروع فى حياتنا جميعا .
موهبة ( ممو) فى الرسم تجلت أكثر فى البورتريهات . كان ( ممو) أحيانا يرسم من الذاكرة أوجه بعض الزملاء و( الزميلات ) ممن لا تمحى صورتهم عن ذاكرته ( وذاكرتنا بالطبع !) . أعطيته مرة بطاقتى للتسجيل فى الداخلية . عدت لأجد صورتى وقد رسمت فى دولابى بالغرفة كما يبدو فى الصورة أعلاه ، وتكفل عبدالله بتشويهها بكتابة ( لطخ ) – اللقب الذى كنا نتداوله فيما بيننا للدعابة – تحت الرسم . وبينما رسمت صورتى أنا فى دولابى ، إحتلت صورة إحدى الزميلات ( ضلفة ) مأمون نفسه فى الدولاب فى قسمة أظنها ( ضيزى )!
وقد وجد رسم لوجه أحد البرلومات طريقه لباب البلكونة ، فقد كان (ممو) يصلى هناك وبعد أن تم صلاته وجد أمامه قلم رصاص ملقى فرسم البرلومة من الذاكرة ! موهبة (ممو) كانت تجعل يده أحيانا تسبق قراره فى الرسم . ونحن جلوسا مرة فى قاعة البغدادى رسم ممو سنيرتنا الحسناء الجالسة أمامنا تصغى لشرح الصادق كرم الله فى الباثولوجى . وقد سر الصادق كثيرا بالرسم مقدار سروره بالشرح أو يزيد .
إشترك ممو مع جندى – عبدالله – فى ما أسموه ( معرض الرسم والتصوير الفوتغرافى ) الذى أبرز مواهبهما المميزة . كما قام ممو برسم بورتريهات لكتاب صحيفتى ( لافتات ) الأساسيين لتصاحب مقالاتهم المنشورة . أما رسم ممو الكاريكتورى للشقراء الفلسطينية فى شكل نملة متبرجة فقد كاد أن ( يودينا فى داهية )! فقد قام طالب فلسطينى غاضب – ضخم الجثة - بتمزيقه وجئت أنا وتصديت له عالما بأنه غاضب ومحاولا تناسى أنه ضخم الجثة . ولما كانت المشادة فى الكافتريا المكتظة بالطلاب والطالبات تمنيت ألا يستغل صاحبنا ضخامته لحسم الجدال وقد كان والحمد لله.
للفن علاقة واضحة برهافة الحس . لذا تميز ممو برهافة الإختيار فى علاقته بالجنس الآخر . ورغم تميز خياراته ، إلا أنه قد كان مثلنا فى التحلى ب( الجبن العاطفى ) فكان يفضل الصداقة على ما يجلب العتب والعذل ، رغم إستعداد الطرف الآخر للطرح الذى لا يأتى . بعد أن إصطحب ( السم ) – هكذا كان يسميها – مرة إلى كافتريا قريبة ، ظننا أن صاحبنا لابد وأن قد وقع أخيرا وأفلت لسانه بالمعلوم . ولكنه إكتفى بالصداقة حتى جاءتنا يوما رقاع تدعونا إلى زواجها .
إن ننس لا ننسى أيام المذاكرة العصيبة و ( الفرن ) . فى السنة السادسة بالذات كنا كثيرا ما نبقى فى الكلية حتى الرابعة صباحا ونحن نحدق فى المراجع الضخمة يغالبنا الشعور بالمرارة ونتجادل فى طريق العودة عن كيف أننا نضيع أجمل أيام العمر وزهرة الشباب و كيف أن دراسة الطب قد أفسدت حياتنا ، والصمت يلف الخرطوم النائمة إلا من بعض تعساء الحظ من طلاب الطب والأطباء وبعض عساكر الدورية وعمال ( الفرن ). والفرن البلدى ذاك كان فى طريقنا من الكلية لحسيب ، نغشاه فجرا لنحمل مؤونة من الرغيف الحار ( نقرضه ) فى الطريق ونجد فيه سلوى من وحشة الليل وقسوة الدراسة وقرب الإمتحانات . كان ممو زعيم الشلة أكاديميا- وإن تزعمها عبدالله ثقافيا وعزو سياسيا و ( غذائيا ) - فكان أميزنا نتائجا ، ولم يكن غريبا أن يكون أولنا فى مشوار التخصص بعد التخرج . فقد أكمل الآن زمالة الجراحة أو كاد .ولا بد لعلاقة ما بين إختياره للجراحه ومهارته الفنية و ( الحلاقية ) ، فهذه الفنون جميعها تخرج من ذات الأنامل الماهرة .
يغالب الوحدة والصقيع ، يواصل ممو الآن مشواره الأكاديمى فى إيرلندا . وهو مرشح بقوة ليكون من بعد عزو فى دخول قفص الذهب ، فقد مسح مصطلح ( الجبن العاطفى ) من قاموسه منذ زمن .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

ملحوظة: يمكن لأعضاء المدونة فقط إرسال تعليق.