الجمعة، 26 فبراير، 2010

أولاد شلتنا (1) - عزو




منهمكا فى بناء حيطة آجر لعنبر السرية الرابعة فى معسكر الدفاع الشعبى قابلته وتحدثت معه لاول مرة.
ولما كنت أعرف من بعض الأصدقاء أنه قد أحرز 90% , وأنه حتما سيكون رفيقى فى كلية الطب جامعة الخرطوم ، فقد قلت له وانا أتأمل حيطته المائلة : ( دكتور ولا بنا ؟)
قال لى بعد أن ألقى على نظرة تنم على عدم الإكتراث : ( والله يابن العم نحن بتاعين كلو ). .
وقد أثبت لنا ، عزالدين حسن بين -عزو - أو بين ( بينونة كبرى ) كما يحلو لجندى أن يسميه ، بالدليل القاطع فى السنين التالية أنه فعلا ( بتاع كلو ). .
فمن ضابط إيقاع ماهر عرفته حفلات الأحياء الفقيرة فى عطبرة ، إلى منشد فى الدفاع الشعبى ، إلى سياسى وركانى كبير فى الجامعة، كان (بين) فعلا بتاع كلو ، أضف إلى ذلك مسؤوليته لسنوات عن غذاء الشلة ، وتسليف أفرادها ، فهو الوحيد الذى بطريقة لا نعرف كنهها لم يكن يفلس أبدا ، وكان دائما ما يحمل كل نقوده فى جيبه الشئ الذى جعله ملاذا لكل مزنوق من أولاد شلتنا . .
بزغ نجم عزو فى السرية الرابعة كمنشد الجلالات الأساسى فيها .. إلا أن قرارا فوقيا بمنع أهزوجته الفرمالة ( الأمور جاطت ) قد قضى على هذا التألق . .
لم نعرف على وجه الدقة لماذا منعت الامور جاطت التى كان عزو يتحفنا بها ونحن نذرع جنبات المعسكر وأحياء خليوة . .قيل والله أعلم أن السبب البيت الموجود فى ثنايا المدحة والذى يقول : ( الحكم مايل يا لطيف . . ينهر السائل يا لطيف ) ، ومن باب يكاد المريب يقول خذونى ، لم يعجب الكيزان هذا الكلام ، فجمعونا ذات نهار قائظ وتلوا علينا مرسوما بمنع ( الأمور جاطت ). .
او لعلها بركات عبدالدائم نورى – أنصار سنة كان معنا فى السرية الرابعة – فقد كان له رأى فى شق آخر من المدحة يقول :( جونا علماء مكان يالطيف. . سووا لله مكان يالطيف ). . ومكان هنا طبعا جمع ماكن أى سمين ، وقد إرتاب عبد الدائم ذات ريبة الكيزان ولكن من باب أن السمان المقصودين ربما كانوا جماعته ، وقد أتبع القول بالفعل وذهب لعزو وطلب تفسيرا لهذا البيت ، و لا أدرى ان كان عزو قد حار جوابا ام لا . .
جمعتنا من بعد داخلية النشر المقيتة ،هربت أنا الى البركس لأسكن مع معارف من الدامر وصمد عزو وبقية أولاد عطبرة هناك .فى تلك السنة الاولى بدأت معالم الشخصية القيادية لعزو تبدو للعيان ، فهو دوما جامع الشير و( مظبط ) وجالب الطعام . . وقد إستمر عزو يقوم بهذا الدور ردحا من الزمن ، بدءا من كافتريا إقتصاد فى البرليم ، مرورا بالعاملين فى كلية الطب ، وانتهاءا بالبوادى ، الموردة والمندى بعد التخرج . .
خصلة عظيمة تحلى بها عزو : لم يكن يسأل من باقى أبدا ، سواءا لنا ام علينا ، يجمع الشير ، فإن نقص ( فى عهود ماقبل التخرج ) أتمه من عنده ، وإن زاد ( وهو أمر نادر الحدوث حتى فى عهود ما بعد التخرج ) ، لم يكلف نفسه عناء المهمة الشاقة التى تتطلب قسمة الباقى على المشيرين و توفير الفكة الدقاقة .
وقد أصبح( بين ) نجما سياسيا لامعا بذات الطريقة السبهللية . قال لى مرة من باب عدم الموضوع بعد أن شاهد عبد المنعم بتاع أسنان كادر الحياد : ( والله حقو الزول يبقى محايد !) قلت له ( طيب ومالو ) وفوجئت به بعد أيام وقد تملك ناصية ركن من أركان محايدى كلية الطب التى كانت مشهورة بجذبها للحسان الحنكوشات . .
وقد كان عزو مخلصا لقضيته مستميتا فى الدفاع عنها ، عكس الكثيرين من متأخرى المحايدين الذى تحيدوا تبع الشلة ولزوم الوجاهة وخوفا من التنظيمات التى تدخل المعتقلات ، وطمعا فى بنات الحياد السمحات . فى وقت من الأوقات كان من الداخلية كلها هناك محايدين إثنين فقط : عزو والحسين ، وسط جيش عرمرم من محايدى الشهادة العربية و حناكيش كبس والكمبونى .
عندما كنا فى السنة الرابعة تعرض عزو لأحد أحرج المواقف فى حياته . أتتنا إدارة الجامعة ببدعة ( المطلوبات ) ، وكان علينا أن نعود لدراسة الفاعل والمفعول به وقواعد اللغة الإنجليزية و إلا فلا تخرج . توافقنا على الإحتجاج بعدم حضور المحاضرات وتملك عزو الحماس فمزق الورقة التى خصصتها الإدارة لتسجيل الحضور.
رأت الإدارة أن فى لك إهانة مباشرة لها ، وأوقفت كل النشاطات الأكاديمية للسنة الرابعة مطالبة إيانا بتسليم الشحص الذى مزق الورقة .
كالعادة ، إرتعد الكثيرون من ( الشفقانين ) مطالبين عزو بسليم نفسه ( حفاظا على مصالح الدفعة الأكاديمية ).
رأينا نحن أن فى تسليم عزو جبنا لا يضاهى . كنا ، منذ أيام الإبتدائى نفضل أن يجلد جميعا على أن نشى بالمسئ فى مجتمع لا يرحم الجبناء ، فما بالك وعزو قد فعل ما فعل كتعبيرعن رفض إرتضيناه جميعا.
وهكذا فضلنا المراهنة على مستقبلنا الأكاديمى على تسليم عزو . و إنتهت المحنة بإصطحاب إحدى الأستاذات الفاضلات لعزو للإعتذار للعميد ، الذى ، لدهشته ، إكتشف أنه يعرف عزو جيدا ، ويعلم موقعه الرائد بين الطلاب .
لعزو وآخرين يرجع الفضل الكبيرفى ا لقضاء على ما سمى بمشروع ( القبول الموازى ) والذى إبتدعته إدارة جامعة الخرطوم للتغلب على مشكلة الموارد المالية الشحيحة ويقضى بإنشاء جامعة موازية – خاصة كليا – وتشتمل على كليات القمة ( الطب والهندسة ... إلخ )
كان العميد وأساتذة الكلية ضد المشروع جملة وتفصيلا ، إلا أنهم قد فشلوا فى الوقوف ضده فى مجلس الجامعة ومرر بأغلبية أساتذة كليات أخرى . ولم يبق إلا الطلاب فى الرهان على إسقاط المشروع الذى كان نجاحه يعنى القضاء على تاريخ الجامعة الناصع .
أذكر أن الرجل العظيم المرحوم البروفسور الضو مختار هو أول من نبهنا لهذه الكارثة موحيا بأن علينا الوقوف كطلاب فى وجهها .
وهكذا ، فى ذات ليلة ، ونحن متحلقين حول صحن فول برقعة معاوية ، أحضر لنا عزو صحيفة بها خبر تأكيد إجازة قانون القبول الموازى .
( الماكلنلها شنو ؟! ) وكينونة الجامعة فى خطر . على الفور ، قامت شلتنا يتقدمها عزو و عبد الله الجنيد بعمل تنوير سريع فى القاعات ، وأغلقنا القاعات واصطحبنا الجميع للداخلية . عقدنا مخاطبة سريعة قررنا فيها الإعتصام عن الدراسة إبتداءا من الغد .
هذه المبادرة كان لها فعل السحر فى طلاب جامعة الخرطوم الأشاوس ، ففى ساعات إنتظمت الإعتصامات والإحتجاجات الجامعة برمتها واستمرت لأيام حتى ألغى القرار الكارثى بعد تدخل نائب الرئيس.
فى الأيام الأخيرة أصبح عزو بعيدا قليلا عن الشلة ، فقد غدا مشغولا عنا ( بتسابيحه ). وليس المقصود هنا ( الباقيات الصاحات ) ، فرغم أن لعزو ( سبحه ) لا تفارق رقبته ، إلا إننى نادرا ما رأيته يسبح بها . غرق صاحبنا فى الحب ، وأسرته هدندوية حسناء يستعد للزواج منها فى مقبل الأيام . سيكون عزو أول من يدخل قفص الذهب من الشلة ، وسنفقد ( جهوده ) فى ( لم الشير ) وإعداد الطعام ، وحضوره الجميل فى كل محافل الشلة . .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

ملحوظة: يمكن لأعضاء المدونة فقط إرسال تعليق.