الجمعة، 26 فبراير، 2010

أولاد شلتنا (5) - ميرغني



رمضان قائظ كان ذاك الذى قررت إدارة جامعة الخرطوم بدء إجراءات التسجيل لطلاب السنة الأولى فيه . لم أصدق أن التسجيل إنتهى وفررت إلى الدامر لأكمل صيام الشهر تحت رعاية الحاجة ، رغم علمى بان الدراسة ستبدأ فى ذات الشهر.
جئت بعد العيد أجرجر أرجلى لأجد نفسى ( مسطحا ) تماما لا أعرف الفرق بين كلمتى ( زولولجى ) و ( وبوتانى ) ، ولا أعرف موقعى فى قروبات اللابات والذى منه . وزاد تعاستى ، شراسة وهلع أكاديمى لمن صادفتهم من زملاء وتعليق برلومة أعرفها قالت لى ( أين كنت ؟ ) فلما أجبت ( فى الدامر ) أشاحت بوجهها عنى قائلة ( كير لس ) !
ضاقت الدنيا فى وجهى على سعتها وإنتابتنى أفكار سوداوية عن الرجوع للدامر وترك الجامعة . وبينما أنا فى هذه الحالة مارا من أمام البغدادى ( داكا ) للمحاضرة لمحت عاصم – لأول مرة - وقد جلس فى بنش - بذات الطريقة في الصورة أعلاه - أمام كافتريا علوم يقهقه بأعلى صوته وهو يحكى نكتة ما لمحمد على وقد ( دكا ) المحاضرة مثلى شر ( دكة ).
وقد أدركت لأول وهلة أن هذا الضاحك غير المكترث سيكون ( زولى ). وبالفعل ، هدءا من روعى بان ( العلم ملحوق ) وأن الموضوع ليس بالسوء الذى أتخيله.
عاصم صار من بعد فردا أساسيا فى الشلة وممثلنا فى ( الخرطوم ) ، رغم مكوثه شبه الدائم معنا فى الداخلية . طيب القلب وأبيضه ، نقى السريرة ودائم الإبتسامة ضارب بهموم الدنيا عرض الحائط .
وهو رجل الشدائد والمهمات الصعبة ، وأحد أعضاء حركة الطلاب المحايدين القلائل من ( الخناشير ).
ولا ندرى ماذا كان يفعل عاصم بالضبط فى حركة الطلاب المحايدين ، فهو بالتأكيد ليس ( ركانيا ) أو فى المكتب القيادى إذا كان لتلك الحركة واحد . جرب مرة ال ( كولنق ) فترصدنا له تحت ما نسميه نحن بالراكوبة ويسميه ( التانين ) العريشة أو ( الشلتر ) وأعترضنا سبيله فأنفجر ضاحكا وولى هاربا وترك ال ( كولنق ) ليومنا هذا .
لا أصدق أحيانا أن عاصم فعلا كان ( أنصار سنة ) يوما ، فشخصيته اللاجادة لا تناسب أبدا أولئك الناس ( الجادين جدا ) كما لا تناسب دراسة الطب المغرقة فى الجفاف .
فمكان عاصم ، كجل أولا د شلتنا ، ليس كلية الطب . فأغلبنا دخل كلية الطب لأنه شاطر وليس عن رغبة جامحة فى إتعاس حياته .أعتقد جازما مثلا أن مكانى وعبدالله العلوم الإنسانية فهى تناسبنا أكثر ، وعزو ربما كان سيكون محاميا شاطرا ! وعاصم كذلك ، فهو حساس بطبعه وهو شئ لا يدركه إلا من يقترب منه ، والناس شديدو الحساسية لا تناسبهم دراسة الطب و الهندسة وغيرها من العلوم الطبيعية.
لعاصم شرف جرجرة أقدام الشلة للمحاكم لأول و( آخر ! ) مرة .جاء ذات يوم إلى الكلية مضطربا يبحث عن شهود من الزملاء لإثبات إنه كان فى الكلية فى يوم معين سماه . وزاد من صعوبة مهمته أنه لم يكن بطبيعة الحال داخل قاعة البغدادى فى ذاك اليوم عكس معظم أولاد الدفعة . كان قد إتهم من جار له بينهما خصام قديم أنه قد نعته بلفظ ( عنصرى ) ، ودرأ عاصم عن نفسه التهمة بأنه كطالب طب مجتهد كان فى الحرم الجامعى ينهل العلم فى ذات اليوم والساعة.
ملأ الشهود العدول عربة سامى جلال ال ( كارينا ) ويمموا صوب المحكمة ليقوا صاحبنا شر الجلد والسجن ، ولما حل الإشكال وديا رجعوا وقد كفاهم الله شر القتال . وقد وثق جندى ( عبدالله ) لهذه المغامرة فى مقال بديع نشر فى ( لافتات ).
لعاصم صولات وجولات – ليست كما لراؤول - فى عالم الجكس . فهو رهيف القلب ( بكاء ) فى صمت أحيانا وفى صخب أحيانا كثيرة .وقد أنبأنى عبدالله فى آخر إتصال عندما سالته عن أخبار عاصم أن عاصم قد أصابه الإحباط العاطفى ووصل لقناعة مفادها أن البنات لا يحببنه .وتلك لعمرى حيلة إتخذها ليهرب من مواجهة ما قد اصاب جل أولاد شلتنا مما أسميته ( الجبن العاطفى ) . فعاصم وجيه لو حلق ذقنه الشعثاء ووضع فى رأسه بعضا مما يضعه راؤول من ( لغاويس ) ، كما إنه ( حناك ) وقد كانت له مجموعة من بنات حوله فى كل الحقب لم يمتلك الشجاعة ليفتح فمه بكلمة لإحداهن .
فى إحدى الليالى إصطحبت ( زيكو ) وعاصم وقررنا تناول العشاء فى العاملين . فى الطريق صادفنا ( الحلبية ) وهى إحدى بنات عاصم اللائى لم نجد لعلاقته بهن تعريفا واضحا . وقف عاصم معها واشار إلينا أن نواصل وسيلحقنا إلى العاملين .
طلبنا الكثير من الفول والطعمية والبيض واضعين فى حسابنا عاصم الذى لم يأت ابدا. ثم أنه إتصل بعد حين معلنا أنه ليس بمنضم إلينا.
غضبت منه وعنفته من بعد أنه ( باعنا ) والفول ببنت . غير إنى راجعت نفسى ، فصحبة تلك الحسناء كانت لعاصم بالتأكيد خير من مجالستنا أنا وزيكو وفول العاملين . وقد قال أهلنا ( ونسة الضكير للضكير النوم أخير ).

ومع ذلك فعاصم ( أخو أخوان ) وكريم كرم العوارة الذى يميز الجعليين ، وزول حارة. لا أذكر رمضانا لم نتناول فيه إفطارا فى بيت عاصم السابق بالحلة الجديدة واللاحق بأركويت . نسعد هنالك بتناول الطعام الشهى وونسة عمنا ( أبو عاصم ) وقد طعمنا هناك فى غير رمضان مرات عديدة.
بعد التخرج غرق عاصم فى معضلة التخصص المناسب له . فهو مثلى لا يحب ضخام الكتب . فى إحدى التجليات قرر فجأه أنه قد ( وجدها ) أخيرا فالتخصص المناسب له لابد وأنه الطب الباطنى ، ومن ثم دخل ذات ليلة ممسكا ب( كومار ) منضما إلى بعض الزملاء ممن يحضرون للزمالة فى قاعة أنيس . وماهى إلا نصف ساعة حتى جاءنا مندفعا من القاعة كالسهم وجلس فى بنشات أنيس ناعتا من يدرسون كتب الباطنية الضخمة بأنهم ( ولا شك مجانين ) !
إلا إن عبدالله الجنيد قد حل مشكلة عاصم بأن ( جره ) جرا إلى ما يسمونه ( بالروادى ) أو الأشعة . لم يكن عاصم جادا كعادته وهو يجلس لإمتحان ( السلكشن ) ، وعندما إجتازه بذل عبدالله جهدا مضنيا ليقنع عاصم بالإنخراط فى التدريب ومن ثم الجلوس لإمتحان الجزء الأول الذى – بنفس عدم الجدية – إجتازه أيضا !
وكنت دائما أقول أن عاصم بعد أن يصبح أخصائيا لابد له من إقامة تمثال لعبد الله !
لعاصم – نائب إختصاصى الأشعة الكبير – سيارة فارهة الآن ووضعا إجتماعيا مميزا . غير أن ذلك كله لم يغريه بكسر حاجز ( الجبن العاطفى ) أو التوقف عن الشكوى لعبدالله عن عدم ( حب البنات له ) !

أولاد شلتنا (4) - راؤول



إبن الشهيد والنخيل القادم من مدنى ،( أوجهنا ) و ( أحنكنا )، سفيرنا فوق العادة لدى الكليات المجاورة ( الأسنان والصيدلة ) و مندوبنا السامى لدى الحسان . .
عرفت راؤول باكرا ، فهو بطبعه حلو المعشر و ذلق اللسان . ترتاح له ما إن تلقاه ، فتحس أنه كتاب مفتوح أمامك ويأسرك بطيبة قلبه وحلو حديثه.
توثقت علاقتى براؤول بعد أن جاورنا وأولاد مدنى فى غرفة بداخلية حسيب . كنا ( برالمة ) فى كلية الطب ، ( مسطحين ) تماما و قد دخلت فينا ( خلعة ) - لن تخرج منا إلا بعد حين – من المحاضرات باللغة الإنجليزية لأول مرة فى حياتنا. وتكفل أولاد مدنى ومعهم راؤول بإدخال مزيد من الرعب فى قلوبنا ، فبينما كانت ( لمبتنا ) أنا وأولاد عطبرة تطفأ يوميا الساعة العاشرة ، كنا نلحظ نور أولاد مدنى - من خلال ( الخرم ) الصغير بين الغرفتين – يكاد لا يطفأ أبدا ، مما أصابنا باليأس وكدنا أن نصل لقناعة أننا لن ( نأكل عيش ) فى كلية الطب مع هؤلاء الشباب.
والغريب ، أن راؤول لاحقا سيطلب ( حق اللجوء الأكاديمى ) لدينا ، مغادرا أولاد مدنى لغرفتنا فى بداية السنة السادسة ، مطلقا النور الذى لا يطفأ والتحديق الدائم فى ضخام المراجع لصحبه السابقين وشعوره معهم دوما كأن الأمتحان غدا!
ورغم قدرات راؤول ( التحنيكية ) البالغة ، وشعبيته البالغة لدى الحسناوات ، إلا أن الجميع شهد له بعفة القلب وطهارة اللسان ونزاهة النوايا .و على راؤول فصل قول الشاعر :

وكم قد خلوت بمن أهوى فيمنعننى ** منه الحياء وخوف الله والحذر
وكم قد خلوت بمن أهوى فيقنعننى ** منه الفكاهة والتحديث والنظر
أهوى الملاح وأهوى أن أجالسهم ** وليس لى فى حرام منهم وطر
كذلك الحب لا إتيان معصية ** لا خير فى لذة من بعدها صقر

ولراؤول صولات وجولات سميتها أنا ( العهود الراؤوليه ) ، العهد الراؤولى الأول والثانى والتالت . . إلخ ، أحب مرة ( حنكوشة ) من برجوازية القوم ، وبعد مضى زمن فى العلاقة و( راحت السكرة وجاءت الفكرة ) ، طالبته ذات جلسة بخطة عمل بتواريخ وسقوف زمنية ، وكان راؤول حينها ( سنكوحا ) مثلنا يسكن الداخلية يأكل الفول ويمشى فى الأسواق ، فضرب أخماسا فى أسداس وعد عشرات النجوم قبل ان يجيبها أنه بعد التخرج والزواج ( ربما أستطاع أن يؤجر بيتا فى أركويت ) ، فكانت الإجابة القاتلة ( أن أركويت ( العفنة ) دى لا تستطيع هى أن تسكن فيها ! ).
وعندما تناهى الخبر إلى عاصم ( ميرغنى ) وهو من سكان أركويت ، طلب من راؤول غاضبا أن يبعد ( أركويتهم ) من غرامياته !
الغريب أن معظم الصور التى عندى لراؤول حاملا لسيجارة ، وهذا لا يعنى بطبيعة الحال أنه مدخن شره وربما عنى عدم توفيقى فى إختيار الزمان والمكان.
فى الصورة السابقة ( كسلا 2004 ) ، كانت المقصودة شذى بلة بطبيعة الحال ، ولكننى بعد ما أعدت التدقيق فى الصورة وجدت راؤول فى الخلفية يهم بإشعال سجارة ، ولا أدرى كيف فاتت على راؤول – الرجل المهذب الجنتل مان – أن يشعل سجارة بحضرة حسناء مثل شذى بلة !
حظيت وأشرف ( قبيلة ) ذات صيف عام 1999 بالإستمتاع بضيافة راؤول وكرم أسرته الحاتمى فى منزلهم بحى مايو بمدنى ، وعرفنا من اين أتى راؤول بطيب الخصال ودماثة الخلق . وعندما فاجأت الحضور فى كلمة التخريج التى القيتها نيابة عن الدفعة بذكر عشر أمهات كعرفان لأمهات أبناء الدفعة كانت الأستاذة الفاضلة ( أم محمد ) على صدر القائمة التى ضمت أمهات كريمات لجمع من خيرة أولاد وبنات دفعتنا ، محمد على الحسين ، خالد صديق ، مأمون واخرين إتبعت حيلا عديدة لمعرفة أسماء أمهاتهم قبل يوم التخريج من دون إفساد المفاجأة . .
جمعتنى براؤول من بعد التخرج محافل شتى ، فهو رفيقى فى أيام الشدة بميز سوبا ، وبمستوصف مهيرة بالرياض ،
وانتهينا فى فى مكانين غير بعيدين ذات حين فى جنوب السودان ، فكنت أنا فى عدارييل وكان هو فى مكان نسيت إسمه ولكنه كان قريبا بما يكفى ليزورنى ويضحك على ذقنى و ( تفتى ) التى أطلقتها فى الجنوب. وعندما سأل عن سجارة – عارفا بأننى لست من المدخنين-تطوع عمنا المساعد الطبى بسؤال أحد المهندسين الذى تبرع له بعلبة كاملة .
راؤول ، قطع شوطا كبيرا فى إحراز زمالة الكلية الملكية الإيرلندية للجراحين .فرقت بيننا الدنيا ، فانتهيت أنا إلى أمريكا ومضى هو ليغالب الصقيع فى البلاد ( التى تموت من البرد حيتانها ).
مشتاق لراؤول وقفشاته جدا . ولعل هذا الحديث يكن سببا فى تكرمه علينا ( بسلك ) .فقد أصبحنا فى قاع أولوياته بعد أن أكمل نصف دينه وتزوج تاركا رفاقه أسرا للعزوبية و( الوسادة الخالية )
!

أولاد شلتنا (3) - ممو





كغيره من أفراد الشلة كان ممو – مأمون عبدالله – متعدد المواهب . فمأمون رسام بارع للوجوه وحلاق ماهر للرؤوس . تميز( ممو) من دوننا بحب لا محدود لأبوعركى وأغانيه . كان يبدأ يومه منذ الصباح بترنيم إحدى أغانى أبوعركى التى يحفظ جميعها عن ظهر قلب . وكان من أسعد الناس عندما إكتشفنا وجود حفيدة عثمان حسين بين بنات دفعتنا ، فقد كان أيضا من كبار عشاق الأحير .
الصدفة البحتة – الجميلة - هى التى جمعتنا بممو . كنا وقوفا أنا وعبدالله بحسيب جوار غرفتنا ( النموذجية ) محتارين فى كيفية إكمال سكانها بمن تنطبق عليهم ( المواصفات ) . مر ( ممو) وسألنا عن السكن هذا العام وعن وجود أى خانات شاغرة . وبعد أن ذهب سألنى عبدالله عن إمكانية ضم (ممو) للغرفة فأجبته ألا مانع . فأدركناه بصعوبة بعد أن يمم باب الخروج وقبل عرضنا فى أن ينضم إلينا .القرار الأروع فى حياتنا جميعا .
موهبة ( ممو) فى الرسم تجلت أكثر فى البورتريهات . كان ( ممو) أحيانا يرسم من الذاكرة أوجه بعض الزملاء و( الزميلات ) ممن لا تمحى صورتهم عن ذاكرته ( وذاكرتنا بالطبع !) . أعطيته مرة بطاقتى للتسجيل فى الداخلية . عدت لأجد صورتى وقد رسمت فى دولابى بالغرفة كما يبدو فى الصورة أعلاه ، وتكفل عبدالله بتشويهها بكتابة ( لطخ ) – اللقب الذى كنا نتداوله فيما بيننا للدعابة – تحت الرسم . وبينما رسمت صورتى أنا فى دولابى ، إحتلت صورة إحدى الزميلات ( ضلفة ) مأمون نفسه فى الدولاب فى قسمة أظنها ( ضيزى )!
وقد وجد رسم لوجه أحد البرلومات طريقه لباب البلكونة ، فقد كان (ممو) يصلى هناك وبعد أن تم صلاته وجد أمامه قلم رصاص ملقى فرسم البرلومة من الذاكرة ! موهبة (ممو) كانت تجعل يده أحيانا تسبق قراره فى الرسم . ونحن جلوسا مرة فى قاعة البغدادى رسم ممو سنيرتنا الحسناء الجالسة أمامنا تصغى لشرح الصادق كرم الله فى الباثولوجى . وقد سر الصادق كثيرا بالرسم مقدار سروره بالشرح أو يزيد .
إشترك ممو مع جندى – عبدالله – فى ما أسموه ( معرض الرسم والتصوير الفوتغرافى ) الذى أبرز مواهبهما المميزة . كما قام ممو برسم بورتريهات لكتاب صحيفتى ( لافتات ) الأساسيين لتصاحب مقالاتهم المنشورة . أما رسم ممو الكاريكتورى للشقراء الفلسطينية فى شكل نملة متبرجة فقد كاد أن ( يودينا فى داهية )! فقد قام طالب فلسطينى غاضب – ضخم الجثة - بتمزيقه وجئت أنا وتصديت له عالما بأنه غاضب ومحاولا تناسى أنه ضخم الجثة . ولما كانت المشادة فى الكافتريا المكتظة بالطلاب والطالبات تمنيت ألا يستغل صاحبنا ضخامته لحسم الجدال وقد كان والحمد لله.
للفن علاقة واضحة برهافة الحس . لذا تميز ممو برهافة الإختيار فى علاقته بالجنس الآخر . ورغم تميز خياراته ، إلا أنه قد كان مثلنا فى التحلى ب( الجبن العاطفى ) فكان يفضل الصداقة على ما يجلب العتب والعذل ، رغم إستعداد الطرف الآخر للطرح الذى لا يأتى . بعد أن إصطحب ( السم ) – هكذا كان يسميها – مرة إلى كافتريا قريبة ، ظننا أن صاحبنا لابد وأن قد وقع أخيرا وأفلت لسانه بالمعلوم . ولكنه إكتفى بالصداقة حتى جاءتنا يوما رقاع تدعونا إلى زواجها .
إن ننس لا ننسى أيام المذاكرة العصيبة و ( الفرن ) . فى السنة السادسة بالذات كنا كثيرا ما نبقى فى الكلية حتى الرابعة صباحا ونحن نحدق فى المراجع الضخمة يغالبنا الشعور بالمرارة ونتجادل فى طريق العودة عن كيف أننا نضيع أجمل أيام العمر وزهرة الشباب و كيف أن دراسة الطب قد أفسدت حياتنا ، والصمت يلف الخرطوم النائمة إلا من بعض تعساء الحظ من طلاب الطب والأطباء وبعض عساكر الدورية وعمال ( الفرن ). والفرن البلدى ذاك كان فى طريقنا من الكلية لحسيب ، نغشاه فجرا لنحمل مؤونة من الرغيف الحار ( نقرضه ) فى الطريق ونجد فيه سلوى من وحشة الليل وقسوة الدراسة وقرب الإمتحانات . كان ممو زعيم الشلة أكاديميا- وإن تزعمها عبدالله ثقافيا وعزو سياسيا و ( غذائيا ) - فكان أميزنا نتائجا ، ولم يكن غريبا أن يكون أولنا فى مشوار التخصص بعد التخرج . فقد أكمل الآن زمالة الجراحة أو كاد .ولا بد لعلاقة ما بين إختياره للجراحه ومهارته الفنية و ( الحلاقية ) ، فهذه الفنون جميعها تخرج من ذات الأنامل الماهرة .
يغالب الوحدة والصقيع ، يواصل ممو الآن مشواره الأكاديمى فى إيرلندا . وهو مرشح بقوة ليكون من بعد عزو فى دخول قفص الذهب ، فقد مسح مصطلح ( الجبن العاطفى ) من قاموسه منذ زمن .

أولاد شلتنا (2) - جندي




فى ذات صيف قائظ ، إندفع احد الزملاء متصببا عرقا إلى قاعة ( التجانى الماحى ) ، وكان عبد الله الجنيد يحتل موقعا مميزا بجانب أحد مكيفات الفريون . قال صاحبنا لعبدالله ( جندى نميرى عليك الله ( ألعب ) المكان ده لأخوك لأنو جايى من بره مسخن ) ، فتنازل عبدالله من المكان ، ولصق به اللقب .
أول ما ( إكتشفت ) جندى كان جالسا القرفصاء على النجيلة أمام البغدادى يتلو علينا ( رسالة إلى إيلين ) ضمن ما سميناه ( منتدى مرافئ الكلم ) وسماه السناير ( فياقة البرالمة ) . لم يكن من السهل أن تخطئ جندى ، فقد إختار أن يجلس بجوار زميلتنا الفلسطينية الشقراء الفاتنة . ولما كان علينا النظر بإتجاه جندى لكونه صاحب المساهمة ، لم نفقه فى الحقيقة حرفا مما يقول .
قررنا أنا وجندى السكن سوية فى الداخلية فى مطلع السنة الثالثة ، وتكوين غرفة ( نموذجية ) كان من شروط الإنضمام إليها عدم التدخين والتتمبك وعدم الإنتماء لأى تنظيم سياسى . فقد خضت تجربة قاسية بسكنى فى السنة الثانية مع عزو ( محايد ) وسامى ( إتحادى ) ، ومن نافلة القول أن الغرفة قد تحولت إلى مناظرات لا تنتهى ومرسم ومكتب لإصدار الجرائد السياسية .
كنت محظوظا للغاية بصحبة جندى ، فبالإضافة للإهتمامات المشتركة ، كان عبدالله رجلا متعدد المواهب وخفيف الظل وحاضر النكتة . أعلن يوما أنه ( سيعلمنى ) الإستماع للكابلى ، وقادنى لجامعة النيلين لحضور حفلة . وعندما أصبحت أنا من عشاق الكابلى ، ترك جندى الإستماع للغناء تماما و ( تمولن ) .
كان جندى يمثل ( هيئة التحرير ) الخفية التى تراجع المواضيع التى تنشر فى صحيفتى الحائطية . وكان عبدالله السبب فى أكبر محنة كادت أن تعصف بنا وبالصحيفة .
فى ذات يوم ، أحضرت للداخلية مقالا لزميلتنا الفلسطينية الشقراء – وكانت من كبار كتاب صحيفتى وأنصعهم قلما – وقلت لجندى إننى لن انشر هذا المقال . كان المقال الذى حمل عنوان ( مملكة النمل ) يحتوى على إساءات مبطنة لطلاب الكلية ، ولما كنت أعلم أن السودانيين حساسين تجاه النقد الأجنبى ، فقد قدرت أن المقال سيثير عاصفة من الإنتقادات . أصر جندى على نشر المقال ، فهو لم يكن من المعجبين بالشقراء خصوصا والطلاب الفلسطينيين عموما ، ووجدها فرصة سانحة لإقتناص الطرفين . وعكف من ساعته على إعداد رد نارى حتى قبل نشر ( مملكة النمل ) .
بعد نشر مقال الشقراء ، ثارت ثائرة الطلاب السودانيين وامتلأت الكافتريا على سعتها بالردود العاصفة . أحس الطلاب أنهم قد أهينوا من شخص أجنبى رأى بعضهم أنه ممتلئ شخصيا بالعيوب . ( فشقراوية ) الشقراء ، و ملابسها التى رأى الكثيرون أنها لا تليق بمجتمعنا السودانى – كانت مستفزة وتجعل منها على الأقل شخصا لا يحق له التحدث عن أخلاق السودانيين .
وبعد نشر رد عبدالله المعنون ( على نفسها جنت براقش ) ، جاء الدور فى الثورة هذه المرة على الطلاب الفلسطينيين . تداعوا من كل حدب وصوب ، وضاقت بجموعهم كلية الطب على سعتها ، وأصدروا بيانا بإسم إتحادهم العام ، وكادت أن تندلع حرب بين الطرفين لولا لطف الله .
لم يكتف جندى فى ( على نفسها جنت براقش ) بإنتقاد الشقراء ، بل تجاوزها ليفرغ شحنة غضبه المخزون منتقدا أخلاق الطلاب الفلسطينيين عموما ، وعطف على الشعب الفلسطينى بأكمله متهما إياه ( بإفتقاره لأخلاق الشعب الواحد ) ، ومن ثم إستغل ثقافته العالية فى حشد المقال بالأمثلة التاريخية والآنية التى تدعم كلامه ، ففوجئ الفلسطينيون بمقال ينقب فى أسوأ مواقفهم التاريخية ويمتلئ بالإستشهادات بمن خانوا نضال الشعب الفلسطينى وباعوا قضيته ممن سمعوا به ومن لم يسمعوا .
زاد الطين بلة كاركتير رسمه مأمون للشقراء فى شكل نملة بذات اللبس المستفز . بعد أيام من الشد والجذب ، قمنا بسحب جميع المقالات ، ومرت العاصفة بسلام ، وبدأت مرحلة التطبيع!
فوجئ الناس بصاحبنا جندى يوما يجلس فى ركن قصى من نجيلة البغدادى جنبا إلى جنب مع الشقراء و صديق فلسطينى مشترك بذل جهودا مضنية لإزالة الإشكال . وبعد ذلك ، أصبح جندى صديقا جيدا للشقراء مطبقا مقولة ( مافى محبة إلا من بعد عداوة ) فى أعلى صورها ، رغم أن بعض المرجفين إتهموه بإختلاق الموضوع من البداية لينال ( القرب ) !
إمتاز جندى بحب الدعابة . فى الصورة أعلاه التى تجمعنا بالحردلو ، لم يكن عبدالله فى الحقيقة يشير لشئ ما ، ولكنه ما إن رأى عرفات يستعد لأخذ الصورة مد أصبعه ليبدو كمن يشرح شيئا ما للحردلو . كان عبد الله ومأمون قد إستضافوا الحردلو فى ليلة شعرية ضمن معرض اقاماه بإسم ( معرض الرسم و التصوير الفوتغرافى ) . كان مأمون ولازال رساما بارعا ، وكانت كاميرا عبدالله أعجوبة . فهو دائما يستطيع أن يخلق بعدسته من مناظر عادية يومية ما يسر العين ويدهشها .
فى مرحلة ما ، خلقت رواية جمال الغيطانى المدهشة ( الزينى بركات ) حبل أنس لا ينتهى بينى وبين عبدالله . فالرواية التى أسرت كلانا لدرجة حفظنا لكثير من جملها ، وجدت طريقها لونستنا العادية ورسائل الموبايل المتبادلة بيننا ، وعندما عثرت عليها مسجلة فى إحدى إصدارات ( الكتاب المسموع ) ، لم يفارق الشريط مسجل ( أتوس ) عبد الله . الغريب أن هذا الغيطانى بتميزه اسلوبه الروائى الفذ وقدرته السردية التى لا تضاهى ، لم يحزعلى شهره بين الجمهور العربى كالتى حازها أدباء أقل منه وزنا وإنتاجا .
فى عام 2000 إتفقت وجندى على القيام بزيارة مشتركة لمصر بعد نهاية السنة الرابعة . توجهت أنا للقاهرة ، بينما غير عبدالله وجهته وحل بمكة لأداء العمرة . هنا يمكن تسمية هذا الجزء من حياة جندى ب( عبد الله ما بعد العمرة ) . تمولن صاحبنا ، هجر الونسة مع الجنس اللطيف وشرائط الكابلى ووردى وكورسات تعلم الموسيقى ويمم شطر المديح النبوى واولاد البرعى ، وحرمنا من القفشات الموحية بيد إنه إحتفظ بتلك غير الموحية .
تقدم لى زميل مرة بقصيدة قال بفخر أنها من تأليفه لنشرها فى ( لافتات ) – صحيفتى الحائطية . كانت ( العصيدة ) عبارة عن كلام ( ملتق ) وغير موزون ينتهى كله بكلمات من شاكلة ( أصول ، أقول ، أجول ... ). وحوت بيتا صرح فيه شاعرنا أنه ( . . . . أريد أن أبول ) ، وقد أسر لى بأنه ينبغى له أن يحذف هذا البيت لأنه ربما لم يكن مناسبا . فى الداخلية عندما قرأ جندى القصيدة ، إستلقى على قفاه من الضحك قائلا أن البيت المحذوف هو ( أجضم ) ما فى القصيدة وأنه لا يمكن لى حذفه .
كنائب إختصاصى فى الأشعة ، يمارس صاحبى الطب هذه الأيام فى مستشفى سوبا ، فعبدالله يرى أننا قد تعذبنا كفاية اثناء دراسة الطب وممارسته ، وانه قد آن لنا أن نمارس طبا لا يحتوى على الكثير من الضغط النفسى وبعيدا عن أوجاع الناس التى يزيد من وطأتها على النفس قلة الحيلة ولا مبالاة الدولة .
أما الزواج ، فلا أظن أنه فى أجندة ( جندى ) المعلنة .

أولاد شلتنا (1) - عزو




منهمكا فى بناء حيطة آجر لعنبر السرية الرابعة فى معسكر الدفاع الشعبى قابلته وتحدثت معه لاول مرة.
ولما كنت أعرف من بعض الأصدقاء أنه قد أحرز 90% , وأنه حتما سيكون رفيقى فى كلية الطب جامعة الخرطوم ، فقد قلت له وانا أتأمل حيطته المائلة : ( دكتور ولا بنا ؟)
قال لى بعد أن ألقى على نظرة تنم على عدم الإكتراث : ( والله يابن العم نحن بتاعين كلو ). .
وقد أثبت لنا ، عزالدين حسن بين -عزو - أو بين ( بينونة كبرى ) كما يحلو لجندى أن يسميه ، بالدليل القاطع فى السنين التالية أنه فعلا ( بتاع كلو ). .
فمن ضابط إيقاع ماهر عرفته حفلات الأحياء الفقيرة فى عطبرة ، إلى منشد فى الدفاع الشعبى ، إلى سياسى وركانى كبير فى الجامعة، كان (بين) فعلا بتاع كلو ، أضف إلى ذلك مسؤوليته لسنوات عن غذاء الشلة ، وتسليف أفرادها ، فهو الوحيد الذى بطريقة لا نعرف كنهها لم يكن يفلس أبدا ، وكان دائما ما يحمل كل نقوده فى جيبه الشئ الذى جعله ملاذا لكل مزنوق من أولاد شلتنا . .
بزغ نجم عزو فى السرية الرابعة كمنشد الجلالات الأساسى فيها .. إلا أن قرارا فوقيا بمنع أهزوجته الفرمالة ( الأمور جاطت ) قد قضى على هذا التألق . .
لم نعرف على وجه الدقة لماذا منعت الامور جاطت التى كان عزو يتحفنا بها ونحن نذرع جنبات المعسكر وأحياء خليوة . .قيل والله أعلم أن السبب البيت الموجود فى ثنايا المدحة والذى يقول : ( الحكم مايل يا لطيف . . ينهر السائل يا لطيف ) ، ومن باب يكاد المريب يقول خذونى ، لم يعجب الكيزان هذا الكلام ، فجمعونا ذات نهار قائظ وتلوا علينا مرسوما بمنع ( الأمور جاطت ). .
او لعلها بركات عبدالدائم نورى – أنصار سنة كان معنا فى السرية الرابعة – فقد كان له رأى فى شق آخر من المدحة يقول :( جونا علماء مكان يالطيف. . سووا لله مكان يالطيف ). . ومكان هنا طبعا جمع ماكن أى سمين ، وقد إرتاب عبد الدائم ذات ريبة الكيزان ولكن من باب أن السمان المقصودين ربما كانوا جماعته ، وقد أتبع القول بالفعل وذهب لعزو وطلب تفسيرا لهذا البيت ، و لا أدرى ان كان عزو قد حار جوابا ام لا . .
جمعتنا من بعد داخلية النشر المقيتة ،هربت أنا الى البركس لأسكن مع معارف من الدامر وصمد عزو وبقية أولاد عطبرة هناك .فى تلك السنة الاولى بدأت معالم الشخصية القيادية لعزو تبدو للعيان ، فهو دوما جامع الشير و( مظبط ) وجالب الطعام . . وقد إستمر عزو يقوم بهذا الدور ردحا من الزمن ، بدءا من كافتريا إقتصاد فى البرليم ، مرورا بالعاملين فى كلية الطب ، وانتهاءا بالبوادى ، الموردة والمندى بعد التخرج . .
خصلة عظيمة تحلى بها عزو : لم يكن يسأل من باقى أبدا ، سواءا لنا ام علينا ، يجمع الشير ، فإن نقص ( فى عهود ماقبل التخرج ) أتمه من عنده ، وإن زاد ( وهو أمر نادر الحدوث حتى فى عهود ما بعد التخرج ) ، لم يكلف نفسه عناء المهمة الشاقة التى تتطلب قسمة الباقى على المشيرين و توفير الفكة الدقاقة .
وقد أصبح( بين ) نجما سياسيا لامعا بذات الطريقة السبهللية . قال لى مرة من باب عدم الموضوع بعد أن شاهد عبد المنعم بتاع أسنان كادر الحياد : ( والله حقو الزول يبقى محايد !) قلت له ( طيب ومالو ) وفوجئت به بعد أيام وقد تملك ناصية ركن من أركان محايدى كلية الطب التى كانت مشهورة بجذبها للحسان الحنكوشات . .
وقد كان عزو مخلصا لقضيته مستميتا فى الدفاع عنها ، عكس الكثيرين من متأخرى المحايدين الذى تحيدوا تبع الشلة ولزوم الوجاهة وخوفا من التنظيمات التى تدخل المعتقلات ، وطمعا فى بنات الحياد السمحات . فى وقت من الأوقات كان من الداخلية كلها هناك محايدين إثنين فقط : عزو والحسين ، وسط جيش عرمرم من محايدى الشهادة العربية و حناكيش كبس والكمبونى .
عندما كنا فى السنة الرابعة تعرض عزو لأحد أحرج المواقف فى حياته . أتتنا إدارة الجامعة ببدعة ( المطلوبات ) ، وكان علينا أن نعود لدراسة الفاعل والمفعول به وقواعد اللغة الإنجليزية و إلا فلا تخرج . توافقنا على الإحتجاج بعدم حضور المحاضرات وتملك عزو الحماس فمزق الورقة التى خصصتها الإدارة لتسجيل الحضور.
رأت الإدارة أن فى لك إهانة مباشرة لها ، وأوقفت كل النشاطات الأكاديمية للسنة الرابعة مطالبة إيانا بتسليم الشحص الذى مزق الورقة .
كالعادة ، إرتعد الكثيرون من ( الشفقانين ) مطالبين عزو بسليم نفسه ( حفاظا على مصالح الدفعة الأكاديمية ).
رأينا نحن أن فى تسليم عزو جبنا لا يضاهى . كنا ، منذ أيام الإبتدائى نفضل أن يجلد جميعا على أن نشى بالمسئ فى مجتمع لا يرحم الجبناء ، فما بالك وعزو قد فعل ما فعل كتعبيرعن رفض إرتضيناه جميعا.
وهكذا فضلنا المراهنة على مستقبلنا الأكاديمى على تسليم عزو . و إنتهت المحنة بإصطحاب إحدى الأستاذات الفاضلات لعزو للإعتذار للعميد ، الذى ، لدهشته ، إكتشف أنه يعرف عزو جيدا ، ويعلم موقعه الرائد بين الطلاب .
لعزو وآخرين يرجع الفضل الكبيرفى ا لقضاء على ما سمى بمشروع ( القبول الموازى ) والذى إبتدعته إدارة جامعة الخرطوم للتغلب على مشكلة الموارد المالية الشحيحة ويقضى بإنشاء جامعة موازية – خاصة كليا – وتشتمل على كليات القمة ( الطب والهندسة ... إلخ )
كان العميد وأساتذة الكلية ضد المشروع جملة وتفصيلا ، إلا أنهم قد فشلوا فى الوقوف ضده فى مجلس الجامعة ومرر بأغلبية أساتذة كليات أخرى . ولم يبق إلا الطلاب فى الرهان على إسقاط المشروع الذى كان نجاحه يعنى القضاء على تاريخ الجامعة الناصع .
أذكر أن الرجل العظيم المرحوم البروفسور الضو مختار هو أول من نبهنا لهذه الكارثة موحيا بأن علينا الوقوف كطلاب فى وجهها .
وهكذا ، فى ذات ليلة ، ونحن متحلقين حول صحن فول برقعة معاوية ، أحضر لنا عزو صحيفة بها خبر تأكيد إجازة قانون القبول الموازى .
( الماكلنلها شنو ؟! ) وكينونة الجامعة فى خطر . على الفور ، قامت شلتنا يتقدمها عزو و عبد الله الجنيد بعمل تنوير سريع فى القاعات ، وأغلقنا القاعات واصطحبنا الجميع للداخلية . عقدنا مخاطبة سريعة قررنا فيها الإعتصام عن الدراسة إبتداءا من الغد .
هذه المبادرة كان لها فعل السحر فى طلاب جامعة الخرطوم الأشاوس ، ففى ساعات إنتظمت الإعتصامات والإحتجاجات الجامعة برمتها واستمرت لأيام حتى ألغى القرار الكارثى بعد تدخل نائب الرئيس.
فى الأيام الأخيرة أصبح عزو بعيدا قليلا عن الشلة ، فقد غدا مشغولا عنا ( بتسابيحه ). وليس المقصود هنا ( الباقيات الصاحات ) ، فرغم أن لعزو ( سبحه ) لا تفارق رقبته ، إلا إننى نادرا ما رأيته يسبح بها . غرق صاحبنا فى الحب ، وأسرته هدندوية حسناء يستعد للزواج منها فى مقبل الأيام . سيكون عزو أول من يدخل قفص الذهب من الشلة ، وسنفقد ( جهوده ) فى ( لم الشير ) وإعداد الطعام ، وحضوره الجميل فى كل محافل الشلة . .

الإنقاذ وجامعة الخرطوم ، حشف. . . وسوء كيلة !



كثيرون دهشوا لما تناقلته بعض الصحف فى الأيام السابقة تعليقا على خبر احتلال جامعة الخرطوم للمركز الثالث والأربعين أفريقيا فى تصنيف جامعة شنغهاى جياو تون الصينية ، وبكى أستاذنا جعفر عباس على ما آل إليه حال الجامعة فى زاويته ودعا إلى حملة لإنقاذها. .إلا أننى ، وكثيرون من طلاب وخريجى الجامعة فى حقبة الإنقاذ ، قد دهشنا لدهشة هؤلاء، بل ودهشنا أكثر لأن الجامعة - بعد كل الصفعات التى تعرضت لها من أصحاب المشروع الحضارى – ما زالت تدخل التصنيفات العالمية ، وقد كان ظننا أننا قد فارقناها منذ أمد بعيد!
لابد أن نقر إبتداءا أن التدهور الذى أصاب الجامعة لم يبدأ فى عهد الإنقاذ ، وإنما بدأت إرهاصاته منذ الديمقراطية الثالثة ، لكن ، بينما كانت أسبابه قبل 1989 ترجع للإهمال و اللامبالاة ، ميز القصد والإستهداف المتعمد من بعض القائمين على الأمر ما حدث وما زال يحدث للجامعة بعد ذلك التاريخ. ويمكننا تلخيص العديد من مظاهر استهداف النظام وأنصاره للجامعة قديما وحديثا فى ما يلى :
الخطاب الإنقاذى الإعلامى تجاه الجامعة :
رغم أن معظم منظرى وقيادات النظام من خريجى الجامعة، إلا أن إعلام الإنقاذ قد صنف الجامعة باكرا كعدو محتمل يقف عثرة فى سبيل التمكين لدولة المشروع الحضارى ، ودأب على تهييج الغوغاء واستعدائهم عليها ، ربما لأن الجامعة كانت أحد معاقل الوعى البارزة التى مثلت معارضة مهمة لسياسة التغييب وتكميم الأفواه التى مارسها النظام منذ إنطلاقته ، ومثلت الرئة الديمقراطية الوحيدة التى تتنفس بها البلاد وسط سياسة التهييج والهتافية التى عمت البلاد فى مطلع التسعينات ورفعت شعار (مع الرحمن أو مع الأمريكان ) وكفرت كل من وقف ضد أطروحات الإنقاذ تكفيرا سياسيا وفكريا. فمثلا :
* فى عام 1993كتب أحد منسوبى النظام فى إحدى الصحف اليومية – الإنقاذ الوطنى على ما أذكر- مقالا بعنوان (جامعة الغردون) ، هاجم فيه الجامعة واتهمها بالعلمانية والولاء للإستعمار الذى هى صنيعته وطالب بإلغائها خاصة وأنها تمثل حجر عثرة أمام تقدم المشروع الحضارى ! كان ذلك عقب المظاهرات العنيفة التى انطلقت من الجامعة فى نفس العام.
* فى إحدى حلقات برنامج فى ساحات الفداء قال مقدم البرنامج عن أحد الشهداء فى معرض الحديث عن مناقبه (ولما حالت لوائح جامعة الخرطوم بينه وبين أشواقه للجهاد تحول إلى جامعة السودان) ولا أدرى كيف ينتقد تلفزيون الدولة لوائح جامعة مملوكة للدولة بدعوى أن لوائحها تحول بين الناس والجهاد ! وأظن أن المقصود أن جامعة الخرطوم لم توافق على البدعة المسماة ( إمتحانات المجاهدين) التى تتيح لبعض طلاب الجامعات الأخرى إمتحانات خاصة إذا فاتهم حضور الامتحانات الأساسية أو إمتحانات البديل والملاحق المعروفة فى النظم الجامعية المتبعة فى كل مكان.
* فى حلقة أخرى من البرنامج المذكور فى أعقاب ما يسمى بإنتفاضة الرغيف أواخر1996، والتى قادها طلاب الثانويات وجامعة الخرطوم ، تعرض معد البرنامج (لمثيرى الشغب) و (أذيال المعارضة) وعقد مقارنة بينهم وزملائهم المجاهدين الذين فارقوا مقاعد الدراسة ليوفروا الأمن لهؤلاء.وختم البرنامج بعبارة موحية :(هؤلاء الذين ذهبوا طلبا للشهادة فى الجنوب ما أسعدهم لو وجدوها فى الخرطوم) !
* تداولت الصحف اليومية فى أواخر عام 1994 خبرا يتحدث عن (جامعة حكومية عريقة تدور المشاورات هذه الأيام لتحويل إسمها لجامعة الشهيد ) ، وقد علل كاتب الخبر ذلك بالعدد الكبير من الشهداء الذين قدمتهم هذه الجامعة، ولم يكن الأمر يحتاج لذكاء كبير للتكهن بماهية هذه ( الجامعة الحكومية العريقة )، وأظن أن هذه بالفعل كانت نية بعض متطرفى النظام ، وأن عقلاءه وقفوا ضدها ، إذ كان تطبيقها يعنى القبر الفعلى للجامعة بكل تاريخها وحاضرها ومستقبلها .
الحصار الإقتصادى للجامعة :
حجمت السلطة من ميزانيات تمويل الجامعة بصورة واضحة ربما لصالح الجامعات الجديدة أو ربما لشئ فى نفس يعقوب ، حتى أن إنفاق الدولة على الجامعة لم يتعد فى أحيان كثيرة الفصل الأول، وقد ذكر لنا عميد سابق لكلية الطب أن ميزانية التسيير الممنوخة لجامعة الخرطوم فى أحد الأعوام تقل عن ميزاينة أحد المعاهد الجامعية العليا ! بل وقد وصل الفقر بالجامعة للحد الذى عجزت فيه عن دفع فواتير الكهرباء والإتصالات ، وما زلت أذكر ذلك اليوم فى صيف 1996 الذى قطعت فيه إدارة الكهرباء الإمداد الكهربائى عن الجامعة بسبب المديونية الضخمة. وقد أدت الحاجة المادية الملحة بإدارة الجامعة الى إتخاذ جملة من الإجراءات لتوفير المال اللازم لتسيير الجامعة التى واجهت شبح الإنهيار:
* قامت الجامعة ببيع مجموعة من ممتلكات الجامعة الإستثمارية مثل مزرعة الجامعة ( الجزء الشرقى ).
* قامت الجامعة بسن قانون القبول الخاص الذى أدخل لأول مرة المال كمعيار للإنتساب للجامعة المشهورة بدقة معاييرها الأكاديمية منذ تأسيسها ، وفتح الباب لدخول فئات أخرى غير مستوفية لشرط الكفاءة الأكاديمية تحت مسمى القبول الخاص ، مثل الدبابين وأقارب الشهداء الذين منحوا تخفيضا مقداره 7% من نسب الدخول لأى كلية .
* أدخلت الجامعة لأول مرة فى تاريخها نظام الدبلومات الذى يتيح بعض الموارد المالية ، وابتدعت بعض الكليات كورسات وبرامج تعليمية خاصة بها بالتعاون أحيانا مع بعض المؤسسات من خارج الجامعة.
* سنت الجامعة قانون جامعة الخرطوم الخاصة الذى يتيح للجامعة إنشاء كليات طب وهندسة وصيدلة موازية للموجودة حاليا ، وخاصة كليا ، وهو ما عرف حينها بالقبول الموازى ، ورغم إجازة القانون من مجلس الجامعة،إلا إن وقفة الطلاب القوية ضد القرار ، أدت إلى إلغائه بعد تدخل السيد/ على عثمان محمد طه .
هنا ، لابد أن نذكر أن تقييم جامعة شانغهاى آنف الذكر قد إستند على عدة نقاط منها البحث العلمى الذى يعد ترفا فى جامعة تبيع أرضها ومعاييرها الأكاديمية الدقيقة من أجل تسيير نشاطها العادى ودفع فاتورة الكهرباء!
لقد أدى حصار الجامعة إقتصاديا إلى وقف البعثات العلمية الخارجية ،والرحلات الأكاديمية ، وغياب الجامعة من المؤتمرات والمحافل العالمية ، وتوقفت الدوريات والمطبوعات عن الصدور عن الجامعة أو الورود إليها لعجزها عن دفع الإشتراكات ، وتجمدت خطط ومشاريع التطوير والتحديث بل و حتى تزويد المكتبات بالمراجع والكتب الجديدة ، وأصبح الهم الأكبر فى إيفاء نفقات التسيير اليومية !
التضييق على الأساتذة:
تعرض أساتذة جامعة الخرطوم من غير الموالين للنظام للتضييق فى الأرزاق ، ومصادرة الحريات والحقوق النقابية ، وكان معيار الولاء للنظام هو الأول فى تعيين قيادات الجامعة ، مما أدى لهروب عدد كبير جدا من طاقم الجامعة إلى الخارج ، بحثا عن خيار أفضل ماديا فى كثير من الأحيان ، بعد أن غدا ما تقدمه الجامعة لا يفى بالحاجات الأساسية ، أو بحثا عن مساحة من الحرية لم تتح فى ظل نظام يصر على تنفيذ أجندته الخاصة داخل الجامعة.
أدى نزيف العقول ألى تدهور فى الأداء الأكاديمى حيث إعتمدت الجامعة – خاصة فى الكليات النظرية على طاقم أكاديمى أقل خبرة وأحدث تجربة .
تشريد الطلاب ومصادرة حقوقهم النقابية :
استهلت الإنقاذ عهدها بمصادرة داخليات جامعة الخرطوم وإلغاء نظام الإعاشة مما أدى إلى تشريد الكثير من الطلاب الفقراء الذين ترك بعضهم الدراسة بسبب عدم القدرة على الإيفاء بمتطلبات الحياة اليومية.أما ما يسمى بالصندوق القومى لدعم الطلاب الذى أنشأته الدولة فقد فشل فى تقديم بديل لما كانت تقوم به عمادة الطلاب من إسكان الطلاب ورعايتهم وحل مشاكلهم ، بل وتحول إلى أداة جباية تفرض رسوما على الطلاب للسكن فى داخليات جامعتهم ، مما أدى إلى توتر العلاقة بين الطلاب والصندوق بصورة دائمة ، ساعد على ذلك مجموعة من المشرفين ضيقى الأفق والجاهلين بكيفية التعامل مع الطلاب والذين استعان بهم الصندوق لإدارة الداخليات بدلا عن مشرفى عمادة الطلاب ، كما عمدت إدارة الصندوق إلى الإستعانة بالقوة العسكرية دوما لحل مشاكلها مع الطلاب ، الشئ الذى بلغ ذروته عام 1999 عندما أدى إقتحام قوات الأمن للداخليات إلى إستشهاد محمد عبد السلام الطالب بكلية القانون آنذاك.
لقد جعلت هذه السياسة من بعض طلاب جامعة الخرطوم فى شغل دائم بأمر مصاريفهم الدراسية ومأكلهم ومرقدهم ، الشئ الذى أثر على الزمن المخصص للتحصيل الأكاديمى المتميز والإبداع الإنسانى الفريد الذى ميز دوما طلاب هذه الجامعة.فاقم من ذلك لجوء النظام ألى تعطيل إتحاد الطلاب لفترات زمنية طويلة ، إذ كانت إستراتيجية الدولة تجاه إتحاد طلاب جامعة الخرطوم تقوم على إتحاد يخضع لسيطرتها أو لا إتحاد. بنفس هذه النظرة الأنانية الضيقة عطل النظام قيام الروابط الطلابية والجمعيات الأكاديمية التى كان واثقا من عدم قدرة طلابه على الإستحواذ عليها وذلك لأكثر من ثلاثة عشر عاما.ولم يقتصر تأثير ذلك على إفتقاد الجامعة والطلاب لنشاط هذه الجمعيات والروابط الأكاديمى والثقافى المهم وتخرج أجيال عديدة من الجامعة بدون أن تحظى بهذه الأنشطة فحسب ، بل أدى أيضا إلى نشوء أجيال أخرى لا تعلم شيئا عن التراث الثر والتاريخ المشرف لهذه الكيانات ، وقد عانى الطلاب كثيرا لإعادتها إلى الحياة بعد تولى التحالف لقيادة الإتحاد، بعد أن فقدت الدساتير والوثائق وحتى الدور.
ويبدو هنا تقديم المصلحة الحزبية الضيقة على مصلحة الطلاب والجامعة واضحا ، إذ أنه ورغم أن تنظيم السلطة قد قاد الإتحاد عامى 93 و 94 ، إلا أنه تجاهل عن عمد إرجاع هذه الكيانات لعدم قدرته للسيطرة عليها كما ذكرنا آنفا.
التعريب :
جاء قرار تعريب المناهج الدراسية بالجامعات متسرعا ولم تصاحبه دراسة متأنية لما قد يؤدى إليه من آثار سالبة ولم يصاحب تنفيذه تدرج منهجى يتيح للمختصين تعيين ما يمكن تعريبه و توفير مناهج معربة مناسبة لحاجات البلاد ، بل قصد منه الكسب السياسى فى المقام الأول ، وضح ذلك فى المناهج التى قامت وزارة التعليم العالى بجلبها على عجل من بعض الدول العربية والتى اتضح عدم صلاحيتها للطالب السودانى خاصة فى العلوم الطبية والهندسية ،وفى سياسة الإرهاب التى اتبعها النظام تجاه الأساتذة الرافضين لقرار التعريب.ورغم إن مجالس بعض الكليات – ككلية الطب- قد اتخذت قرارا بعدم الإستمرار فى سياسة التعريب ،فإن طلاب الكليات التى سايرت القرار وهى معظم الكليات النظرية قد تضرروا جراء الجهل باللغة الإنجليزية اللازمة للدراسات العليا والمهمة فى سوق العمل ، ولم تجد مناهج اللغة الإنجليزية المصاحبة- والتى فرضتها إدارة الجامعة من بعد لتدارك هذا الخطأ التاريخى – فى تحسين مستوى اللغة الإنجليزية لخريجى جامعة اشتهرت دوما بالتميز فى هذا المجال.
لقد غدت الجامعة فى الأعوام السابقة كريما على موائد اللئام ، وسلبت منها مقومات البقاء والوجود ، ولولا وقفة عدد من أبنائها المخلصين من بعد عناية الله لأصبحت أثرا من بعد عين.وهى إذ تحاول الآن القيام من عثرتها ، لهى فى أشد الحاجة للمزيد من جهود أبناء اوطن ، لتعود إلى سابق ألقها ،جميلة ومستحيلة ، قلعة للديمقراطية ومنارة للفكر.


لمن يصقل عباسنا سيفه ؟


للشاعر العراقى الساخر أحمد مطر قصيدة سماها حكاية عباس ، يداوم بطلها عباس على صقل سيفه إستعدادا لعدو خفى . العدو لدى عباس مجهول المواصفات ، فهو لا يشمل اللص الذى إحتل بيته ، ومن بعد مدة يسيرة قتل أولاده وإغتصب زوجته وأخيرا سرق نعجته . كل هذه الأحداث الميلودرامية وعباس منهمك بهمة فى صقل سيفه ، فهو إذا ، كما سنعلم فى نهاية القصيدة ، يصقله لوقت الشدة .
لم يحترم أحد على مر الزمان الضعف والضعفاء . الإستكانة والذلة لم تكن يوما من حسنات شعب أو أمة . ذهبت دويلات الأندلس برغم فخامة حضارتها ، التى أنارت أوربا ردحا من الزمن ، لأنها إنشغلت عن إعداد الجيوش بالأغانى والقيان ، ذهبت ولم يشفع لها التطور العمرانى والثقافى والفكرى ولم تقارع مكتباتها العامرة سيوف الفرنجة . وقد كانت العرب ترفع القبيلة أو تضعها بعدتها وعتادها ، إنظر لقول الشاعر :
لو كنت من مازن لم تستبح إبلى
بنو اللقيطة من ذهل بن شيبان
فهو هنا يتحسر على إنه لم ينتسب لمازن – وهى قبيلة مرهوبة الجناب - مما أغرى به البغاث .

وقد أغرى بنا ضعف حكامنا فى السودان وهوان نظامهم على الناس بعضا ممن كانوا يظنونهم بغاثا . تناوشت قصعة بلادنا الأكلة من كل جانب ، حتى بعض البلاد التى كنا نجود لها فى الماضى بالإحسان طرقا ومدارسا وصحة . أذكر أننى قرأت خبرا قبل زمن فى جريدة خرطومية عن خطة لولاية الخرطوم لإنارة العاصمة إنجمينا ، والخرطوم حينها حالكة السواد تنام فى التاسعة ولا يعلم القادم إليها أنه قد وافاها إلا عن طريق مذياع الطائرة .

الغريب أن الكثير من الناس ، فيهم بعض المعارضين ، قد ظنوا أن عطاء الإنقاذ الذى لم يره الناس فى مأكل ولا مشرب ولا تعليم ولا علاج ، قد تبدى فى جيش قوى قد صرفت إليه جل همها وأجاعت الشعب وأسغبته لتؤمن حدود البلاد وتبعث الأمن فى أرجائها . فهم ولما لم يطعموا الناس من جوع آلوا على أنفسهم إيمانهم من خوف . وإستمرأ الحكام هذا القول ، فدأبوا يملؤون آذاننا من وسائط إعلامهم عن جيشهم الثالث فى أفريقيا وعن تصنيعهم للأسلحة بشتى أنواعها الزاحف والطائر والمزمجر والزبير والبشير ، وملأوا الدنيا ضجيجا بصفقة طائرات الميج 29 التى دفعوا فيها مليارات الدولارات من خزينة دولة يموت فيها الناس فى الطرقات وعلى أبواب المشافى .

والغريب أنهم ما زالوا – كما عباس يصقل سيفه – ينفقون الأموال فى إقتناء السلاح وتشييد مصانعه ، رغم أن عدتهم وعتادهم قد فشلت فى أول إمتحان حقيقى عندما قاد دكتور خليل – طبيب خريج جامعة الخرطوم – قواته آلاف الكيلومترات ليجتاح أم درمان . وتعلل عباسنا حينها بعلل شتى ولم يقدم إستقالته وعاد يصقل سيفه . ثم أغار الإسرائيليون على بلادنا فلم يفتح لله عليه بكلمة ، ولم يخبرنا أين ذهبت كل الأموال التى تذهب ميزانية لوزارته ولم لم يكرس بعضها لشراء رادار نعلم به على الأقل هوية من قصفنا صاروخا كان أم طائرات من طراز ( مية وإلفن ) كما قال رئيسنا حفظه الله .
وضعف عباسنا ، أغرى بنا أثيوبيا وإستمرأت مصر أرضنا وبلغ بنا الهوان أن غزتنا تشاد ، ولا ندرى ما تخبئه لنا الأيام إن بقى عباسنا فى وزارة الدفاع ، فربما تطالبنا أفريقيا الوسطى بحق لها فى دارفور أو ربما تغزونا حركة شباب المجاهدين على خلفية أن الرئيس الصومالى خريج جامعة كردفان .
ولا أدرى سرالفشل الملازم لهذا الرجل . فحينما كان وزيرا للداخلية إبتليت البلاد بالخليفى الذى قتل الناس فى المساجد وعباس الباقر وثالثة الأثافى سقوط عمارة الرباط التى حملته لا إلى السجن بل إلى وزارة الدفاع التى حمل معها فشله المقيم فأغارت علينا إسرائيل وإنتهكت أرضنا أثيوبيا وغزتنا تشاد .

على عباسنا الإستقالة ، وعلى من ولوه وشايعوه النظر مليا فى أمر الجيش . ليست الجيوش بالعدة والعتاد وإلا لصمد الكويتيون فى وجه صدام ولما إستنجد السعوديون بأمريكا . ولم تقو الأوطان بالمال فقط وإنما ببنيها الذين تكفل الإنقاذيون فى تشريدهم فى أصقاع الأرض وجعلوا جيشنا القومى حظيرة يدخلها من رضوا عنه أيدلوجيا وعرقيا .
وعلى جيشنا أن يعلم على من توجه فوهات بنادقه ، وقد هتف مغنيهم ذات زمن أن ( ورونى العدو وأقعدوا فراجه ) و إذا كان عباسنا يعلم العدو و قعد ( فراجة ) فهى مصيبة ، وإذا لم يعلم بكل ما كرس له المال والوقت من مخابرات ، فالمصيبة أفدح وأعظم .ِ


حكاية عباس
أحمد مطر
عباس وراء المتراسْ

يقظ.. منتبه.. حساسْ

منذ سنين الفتح..

يلمع سيفه

ويلمع شاربه أيضاً

منتظراً.. محتضناً دُفهْ

بلغ السارق ضفه

قلّب عباس القرطاسْ

ضرب الأخماس لأسداسْ

بقيت ضفهْ

لملم عباس ذخيرته والمتراسْ

ومضى يصقل سيفه

عبر اللصُ إليه..

وحل ببيته

أصبح ضيفه

قدم عباس له القهوةْ

ومضى يصقل سيفهْ

صرخت زوجته:

- عباس!

- أبناؤك قتلى.. عباس!

- ضيفك راودني عباس!

- قم أنقذني يا عباس!

عباس وراء المتراسْ

منتبه.. لم يسمع شيئاً

زوجته تغتاب الناس

صرختْ زوجته:
- عباس!

- الضيف سيسرق نعجتنا

عباس اليقظ الحساس

قلّب أوراق القرطاس

ضرب الأخماس لأسداس

أرسل برقية تهديد..

فلمن تصقل سيفك يا عباس

- لوقت الشدة..
اصقل سيفك.. يا عباس!!

عزان الرابع



أن تحمل إسما غريبا – خاصة فى بلد يغص بالفضول كالسودان – فهذا يعنى أن تقضى حيزا كبيرا من حياتك فى إجابة دائمة على أسئلة على شاكلة ( يعنى شنو عزان ؟) أو أسوأ من ذلك (يازول ده إسم شنو ده ؟) وهذا سؤال ستسمعه فى أيام الدفاع الشعبى الكالحة أو فى دهاليز مكاتب الخدمة الوطنية .
والحق يقال أننى إجتهدت إجتهادا كبيرا فى إيجاد إجابة لهذا السؤال السرمدى باكرا . قلبت القواميس ، ( بقيت) لخالى أستاذ اللغة العربية خالد (فى رقبتو) ، وخرجت من كل هذه الجهود ببضع نظريات ، كأن عزان مثل عثمان وأن أصلها (عز) وأن بعض العرب من باب ( الفياقة ) ليس إلا أرادوا تعذيبى بإضافة ألف ونون ، أو أنها (مثنى عز فى حالة رفع كما زيدان ) وهلمجرا . .
كما أن أمى العزيزة ، وهى قارئة نهمة ومثقفة ، من باب التضامن مع محنتى قد بحثت ذات مرة فوجدت أن هناك نوع من الفل يسمى الفل ( العزان ). ولما كنت أعلم أننى بعيد تمام البعد عن كل ما يمت للفل بصلة ، فقد قررت ألا أستعمل التفسير (الأموى) لعزان.
وقد قرر العالم الجليل عبدالله الطيب فى مرة إلتقيته فيها فى أحد الأعياد بالدامر أن عزان أصلها (حبشى) ، وقد بدأت يقينى يزيد فى صحة هذا الإفتراض بعد أن هاجرت إلى الدنيا الجديدة ووجدت بنى وبنات الحبشة يبتسمون فى وجهى فى كل لقاء ظنا أننى ممن جاء بهم اللوترى من أديس أو قذف بهم بطش (أسياس) من أسمرا. ولعل البروف قصد ملك الحبشة (عيزانا) الذى علمنا فى دروس التاريخ أنه قد محا مملكة مروى من الوجود ، وهذا يجعل لهذا الإسم بعدا غير ما (دسيس) !
وغرابة الإسم سلاح ذو حدين ، فقد أنقذتنى فى كثيرمن الإمتحانات الشفهية ، فالممتحنون ينفقون وقتا لا بأس به فى إشباع فضولهم فى معرفة معنى وأصل إسمك ، مما يمنحك وقتا ثمينا تستجمع فيه افكارك وتلتقط فيه أنفاسك . المشكلة أن كثيرين ينطقون أو يكتبون الإسم كما إتفق وصادف أهويتهم ، فكثيرا ما كنت (عزام) و(عثمان) و(فزان) وجارنا الممرض فى الدامر ذهب بعيدا فسمانى (سوزان) رغم شنبى الضخم و(الشنا) التى لا تشبه أى (سوزان) !
وقد رمى القدر فى طريقى كتابا وجدت فيه شفاءا لبعض غليلى ، ففى ذات (حوامة) فى السوق العربى صادفت أحد فارشى الكتب قبالة بنك الخرطوم ، وإلتقطت عينى هذا العنوان (عزان بن قيس والدولة الأباضية فى سلطنة عمان ) ، فعزمت على شراء الكتاب وفاصلته فى السعر فأبى إنزاله ، فقلت له (يابن العم والله ما داير إشترى الكتاب ده إلا عشان الزول ده إسمو زى إسمى ) ومهرت ذلك بإبراز بطاقتى الجامعية ، فاندهش البائع وهز راسه قائلا (سبحان الله) وكأننى قادم من كوكب آخر ، ومن نافلة القول أنه منحنى التخفيض المطلوب .
وقد قالت لى برلومتنا تماضر فى غير ما مرة أن مدرستهم فى سلطنة عمان حملت ذات الإسم لهذا الرجل الذى كان من أئمة الأباضية (وهى فرقة ما ، بإعتقادات لا أعلمها) هناك.
غير أننى الآن لست وحيدا . لا يعلم الكثيرون أنه يوجد الآن من السودانيين أربعة (عزازين) كان لى شرف أن اكون أولهم وأن (أوحى) لأسرهم الفاضلة بهذا الأسم . .

عزان عامر
فى 2003 وأنا فى غمرة (شفت) النساء والتوليد فى بورسودان وأنا أعانى المرائر من قسوة الجو والذباب وسطوة الرجسترار ، هاتفتنى أمى من الدامر بأن أحدى جاراتنا الفضليات قد سمت أبنها (عزان) تيمنا بشخصى ! ملأنى الخبر فرحا ورفع روحى المعنوية ، فأخير هاأنذا لست وحيدا . قابلت عزان عامر كثيرا ، وهو (حلبى) و(غلباوى) كما كان سميه فى صغره . يعيش مع أسرته الآن فى جبل الأولياء وهو تلميذ مجد فى مرحلة الأساس .

عزان أحمد عثمان خليل
وعزان الثالث أمريكى المولد . فى السنة الماضية تلقيت من الصديق نورالدين فى فيرجينيا خبرا مفاده أن أسرة الدكنور أحمد عثمان خليل الأستاذ ب (نوفا) قد اسمت مولودها الجديد (عزان) ، و للدكتور عدة أبناء على ذات الوزن (هتان) و(ميان) ، ففى أثناء الترشيحات لإسم مشابه جاء نورالدين باسمى قائلا أن صديقه فى ميريلاند (شخصى) يجمل ذات الإسم ، وفاز إسمى بالترشيح وإنضم عزان الثالث لأسرتنا الصغيرة (النامية) ، ذهبت و(ضربت) السماية وقمت بتصويره .

عزان سعيد
قبل أشهر علمت أن أسرة كريمة بغرب الدامر قد سمت أبنها (عزان) ، وهنا الوضع مختلف ، فهذه الأسرة أختارت هذا الإسم ليس إعجابا بشخصى أو لأنه يوافق أسماء بقية أولادهم وإنما إكراما لصداقة وود متبادل مع الست الوالدة .الشئ الغريب والجميل فى عزان الرابع أن والده يحمل إسم سعيد مما يجعله (عزان سعيد) ! وقد سعدت جدا لهذه المصادفة الأنيقة ، فبعد أن كنت أشكو لطوب الأرض من الوحدة ، ها نحن قد أصبحنا أربعة أولهم (عزان سعيد) ورابعهم (عزان سعيد).

الأحد، 7 فبراير، 2010

سلطان البنات السمحات


للبنات السمحات سلطان لا يقاوم . . فلهن يفتح مغلق الأبواب ، يذلل العسير ، ويدنى البعيد.
يكفى إحداهن أن تكتب غثا من الكلام لتنصب أديبة عصرها ، أو أن تقوم باليسير من الأعمال لتسمى عبقرية قل أن يجود الزمان بمثلها .
لا يحتجن الكثير من الإجتهاد فى إنجاز شؤونهن ، فالكل متطوع لخدمتهن وتذليل الصعاب لهن.
لا يذقن ما نذوقه من المرار فى مكاتب الخدمة الإلزامية ، ولا يعانين من الوقوف فى الصفوف الطوال فى دواوين الدولة . إجتياز الإمتحانات الشفوية لديهن رهين بذرف دمعة ، ونيل الوظائف فى المعاينات معلق ببسمة .
جميعنا ضعيف أمام الجمال ، ولكن أن يضاف هذا كعامل فى تقييم ما ليس له علاقة بالجمال ففيه ظلم لآخرين . لى صديق يعرفه من درسوا بكلية الإقتصاد جامعة الخرطوم فى أواخر التسعينات ، كانوا يلقبونه بحميد ، يكتب من الشعر ما يسيل له دمع القساة ، ولكنه لم يجد من الصيت ما ينبغى له أن يجد ، إذ أنه كان ( شين ودشن ).
عندما جاء الكيزان أمروا بفصل الطلاب عن الطالبات فى مشرحة كلية الطب ، فكاد الطلاب أن يذهبوا ( شمار فى مرقة ) من إهمال مساعدى التدريس لهم ، فكان أن أمر أستاذ حكيم بإعادة ( خلط ) المجموعات مرة أخرى .
فى بعض منابر النقاش الإسفيرية ، يكتب بعض من نعدهم عتاولة الأدب والفكر والسياسة . يمكن أن تجد مقالا لأحد هؤلاء ، قد بذل فيه من الجهد ما بذل ، وقد إحتل مكانا بعيدا فى الصفحة الثانية أو الثالثة ، بينما تجد غثاءا أو نكتة لحسناء وقد بلغت صفحات البوست ما بلغت .

وعلى مر الأزمان كان للبنات السمحات سلطانا أقوى من الذى للسلاطين وعتاة القادة .
كان للمعتمد بن عباد – وهو من ملوك الطوائف بالأندلس - جارية حسناء تسمى الرميكية ، وقد شغفها حبا . فرأت ذات يوم جوراى القصر يلعبن فى الطين ، فاشتهت أن تمشى فيه . فأمر بالطيوب فسحقت وذرت فى ساحة القصر حتى عمته . ثم أمر بماء الورد فرش عليها وعجنت حتى صارت كالطين ، فخضن فيه هى وجواريها وكان يوما مشهودا.
ثم إنه غاضبها يوما ، فقالت له ( لم أر منك خيرا قط ) فقال لها ( ولا يوم الطين ) فاستحيت وسكتت. وربما كان من الجدير أن تعلم أن إبن عباد هذا كان عاجزا عن دفع رواتب جنده والفونسو – قائد الفرنجة- يزحف على غرناطة .

وإذا أجلت عين فاحصة سترى أن معظم الحوادث الجسام فى التاريخ وقفت خلفها هذه المرأة الجميلة أو تلك .
بل إنظر إلى عجائب الدنيا السبع ، فسيهولك أن ترى أن جلها قد صنع فدى لإمرأة جميلة .
تاج محل قصة تشييده لممتاز محل الجميلة معروفة . وحدائق بابل المعلقة شيدها ملك عاشق إشتهت زوجته ذات شهوة الرميكية عندما رأت نساء العامة يمشين فى الحدائق العامة ، فرأى الملك أن يصنع لها حديقة خاصة لا تكلفها عناء النزول من القصر.
وإن أعدنا قراءة التاريخ بعين فاحصة ، فربما سنكتب تفسيرا ( نسائيا ) للتاريخ . معظم الأحداث المفصلية فى تاريخ البشرية كانت خلفها إمرأه بصورة أو بأخرى ، إبتداءا من الإلياذة والأوديسة و لس إنتهاءا بوفاة سانى أباشى بجرعة فياجرا زائدة كان لها الفضل فى تخليص نيجيريا من ديكتاتورية مقيتة.
أساطير الأغريق تحفل بصراعات الالهة والبشر على الجميلات من الالهات والبشريات . ولم ينس هؤلاء تنصيب إلهة للجمال ، فهى أفروديت عند بعضهم ومن ثم فينوس عند من جاء بعدهم.
خراب طروادة سببه خطف أميرها لإمرأة ملك الإغريق الجميلة .وبسبب كليوباترا إقتتل إثنين من كبار قواد الرومان وتغير التاريخ للأبد.
ويعتقد الكثيرون أن قيصرة روسيا الجميلة كانت أحد الأسباب المهمة لقيام الثورة الشيوعية – الحدث الأهم فى تلك الحقبة – بعلاقتها المريبة مع الراهب راسبوتين . إمتلك راسبوتين القيصرة فامتلك القيصر و القصر والقيصرية . وقد عبر هو نفسه عن ذلك عندما ظهر مرة للعامة عاريا ثملا على شرفة القصر وأشار إلى . . . . (أن هذا هو الذى يحكم روسيا ) . .

والبنات السمحات يختلفن فى تعاملهن مع هذه ( الظاهرة ) . فمنهن من يكتفى بالهبة الإلهية ولا يعمد إلى تطوير نفسه من نواح أخرى ، لينتهين إلى ما نطلق عليه ( سماحة جمل الطين ) . فهن مرغوبات فى كل حال ، ولذلك لايبذلن حهدا فى تطوير ملكات الحديث العذب والفهم العميق . ستنفق وقتا ثمينا لتوافق معادلة البنت السمحة والفاهمة والظريفة فى آن .
والبعض الآخر قد طور ملكات أخرى سواء أدبية أو فنية كانت أو غيرها . مشكلة هؤلاء هى فى التقييم المعوج لملكاتهن الذى يضيف جمالهن كعامل شئن هن أم أبين ، شاء المقيمون أم أبوا . فإذا كانت شاعرة متواضعة الأمكانات جعلوا منها خنساء ، وإذا كانت فنانة ضعيفة الأداء سموها فيروزا.
مشكلة هذا التقييم أنه يضع أمام أولئك غمامة تمنعهن من رؤية الحقيقة وتمنعهن بالتالى من مراجعة ما يقدمنه من عطاء ومن ثم تطويره وعلاج ما به من إعوجاج. بل يصيب بعضهن بالغرور فيعمدن إلى إتهام كل من ينتقدهن من بعد بالغيرة الشخصية والأجندات الخفية.
والمشكلة الكبيرة أن هؤلاء النقاد ، والذين يعتمد عليهم المتلقى العادى فى تقييم وإختيار تلقيه لسائر أنواع الإبداع ، يدفعونه بقصد أو بلا قصد فى إتجاه آرائهم ويسحقون فى طريقم مبدعات أخريات أرق أصواتا ، أمضى قلما وأنصع شعرا من هؤلاء الجميلات . فهذه( الديكتاتورية الجمالية ) ستملأ وسائل إعلامنا يوما بسائر أصناف أنصاف المبدعات الجميلات ، بينما يتوارى فى الظلام الإعلامى مبدعات ومبدعون حقيقيون ليس لدى إبداعهم ما يؤهله ليشق طريقه للنقاد والمتلقين غير إنه فقط . . إبداع

وبطبيعة الحال ، فهناك سمحات ومبدعات حقيقيات-. وإن كن قلة - إستطعن النجاة من فخ التقييم الجائر الذى يجعل من المبتدئات عبقريات الإبداع ، وبذلك تمكن من تطوير إبداعهن و تلافى السلبيات بالإصغاء إلى النقاد النزهاء – وإن كانوا قلة . !
وربما كان هناك سببا آخر لدكتاتورية الجميلات هذه ،
لعله جنوح هؤلاء النقاد أو صناع النجوم إلى رفد المتلقين بما يواكب حاجة السوق . فالمتلقى هذه الأيام نادرا ما يجذب إنتباهة ( إبداع ) غير مرتبط بمكون جمالى أو حسى . وأقول يقينا أن فيروزا نفسها أو أم كلثوم - لو لم يكن فيروزا و أم كلثوم - لن يجدن موطئ قدم إذا جئن فى عصرنا الحاضر ليعرضن إبداعهن المعتمد على الكلمات والصوت واللحن فقط . ولولا المتلقى القديم لذى صنع منهن ما هم عليه لضعن مع جيل هيفا وغيرها . .
كنت جالسا مرة مع شباب فاستغرقوا فى أغنية تقدمها روبى فى التلفزيون وجعلوا لها كل إنتباههم . وبعد أن إنقضت الأغنية وراحت روبى لحال سبيلها هى ودراجتها تلك ، سألتهم عما كانت تقول بتفصيل فلم يحر أحدهم جوابا . .
المطلوب إذا إستبعاد الجمال كعامل تقييم فيما لا شأن له بالجمال . بهذا ، لن نخسر أى جميلة إذا مبدعة ، وسنكسب العشرات من ذوات الإبداع المميز اللائى أغفلتهن أعين تبحث عن أشياء أخرى . .

Sandooq





ضحكت كثيرا عندما وجدت أن زميلتنا الأمريكية (Lecette) قد وضعت مبلغا من المال فى مظروف وكتبت عليه بالإنجليزى (صندوق) !

كنا ، منذ زمان ، قد أنشأنا (صندوق أو ختة) يجمع زملاءنا السودانيين والمصريين بالمكتب، يصرفه أحدنا كل أسبوعين، وأستطعنا فى دورته الثانية ، بعد تقديم (Proposal) مقنع شمل (Terms & conditions) ضم مجموعة من الأمريكان .

يذكرنى فعل (Lecette) هذا كثيرا بالنكتة فى شريط النكات إياه (بتدوروا العوض) !

ويبدو أن هذا ما يحدث بالفعل ، فبعد سنوات من وجودنا بأمريكا لم نتأمرك قيد أنملة ، وإنما نقوم بسودنة من حولنا من أمريكان ببطء ولكن بفاعلية مدهشة .أكلوا معنا الكسرة وملاح الشرموط (تندر زملاؤنا المصريين كثيرا على هذه الكلمة ، ونقلوا للأمريكان ما ظنوا أنه معناها فى اللهجة المصرية ، بيد أن هذا لم يمنع الأخيرين والأولين من الإستمتاع به) ، وتلذذوا بالفول والفسيخ ، وشربوا الحلومر والكركدى ، بل أنهم صاروا يرصدون مناسباتنا والأيام التى نجلب فيها الطعام للمكتب فتلك الأيام بالنسبة لهم (خريف أبو السعن) . قلت لمديرتنا مرة وقد طلبت منى (تظبيط) طبق من طعام جلبناه :

Would you like lentil soup , Flafil or etc

وعددت لها الخيارات الموجودة ، باذلا مجهودا خرافيا لتوضيح ماهى الطعمية وكيف تصنع سلطة الأسود ، آملا أن ينتهى مجهودى بأن تختار شيئا ما . فقالت :

Little bit of everything, you know that I love everything you bring guys

ولا يقتصر الأمر على الطعام فقط ، بل أن (Lecette) و(Dawn) شاركننا صيام بعض الأيام فى رمضان تضامنا ، ووضعت(Dawn) – المسيحية الملتزمة- الحجاب عندما شاركتنا المائدة الرمضانية التى أقامتها المؤسسة لعملائها من المسلمين ! وقد أعجبت (Lecette) بالقنقليز الذى وصلنى من السودان ، رغم محاولتها (أكل) البذرة فى المرة الأولى ، وبعد التوجيهات السامية من شخصى تعلمت أن تأكل ال(White matrial) وتبصق ال(Black seed).

ولعل (اللا قابلية على الأمركة ) هذه هى حال الجيل الأول من السودانيين بأمريكا بأكمله ، وأعنى بالجيل الأول المهاجرين الذين جاءوا لأمريكا وليس السودانيين الذين ولدوا وترعرعوا وبالتالى تأمركوا هنا . فالسودانيون عصيون على الأمركة تماما ، فهم يعيشون هنا بال (Terms & conditions) السودانية ذاتها . يأكلون الكسرة والقراصة والويكة والفسيخ ويسفون السعوط ولو وجد بعضهم (عرقى) لشربوه رغم ما تنوء به أرفف المحلات من أشكال وألوان من هذه الأشياء .وليس دون شراء السعوط هنا مصاعب ، فما عليك إلا أن تتصل برقم ما ، تمليهم معلومات (الcredit card ) ، فيأتيك السعوط مشحونا على ما تختاره من (Fedex) أو (DHL) !

وقد تمكنت السودانيات بقدرة مدهشة من تطويع الكثير من المنتجات الأمريكية لغرض صناعة الأطعمة السودانية ، فال (sour cream) لصنع النعيمية و( all purpose flour) للقراصة والكسرة على حد سواء ، وإذا كنت عزابيا (مقطعا) كحالنا فلك فى بقالة الأمانة فى (sky line) بفيرجينيا خير سلوان ، فالطعمية الجاهزة وبرطمانات الفسيخ (كتلك التى كانت فى كافتريا العاملين) موجودة ، غير أنك يجب أن تسعى إليها باكرا فى أيام السبت وإلا لن تجد لها أثرا .

كما إبتعد جل السودانيين عن الدخول فى النظام الإقتصادى بداعى الربا ، فقضوا معظم حياتهم بأمريكا فى بيوت الإيجار و لوثوا الهواء بالعربات القديمة (أم ألفين دولار) فى نقيض تام لما يفعله جيراننا من الأحباش ، فما أن تطأ قدم أحدهم التراب الأمريكى حتى تظن أن جده قد شارك فى حرب التحرير ، تجده يعمل (كاشيرا) أو (valet parking) ويقود سيارة لا يقودها فى السودان (ودالجبل) نفسه ! وربما كان هذا سببا فى التناقص المستمر لحصتنا فى اللوترى وتزايدها المستمر لجيراننا فى الشرق .

أختم هذه الخاطرة ، والتى أوحى بها إلى أكل (Lecette) للقنقليز ، بذكر زميلنا فى المكتب (Ken) ، فقد كان أكثر الناس تسودنا وإلتقاطا لكلماتنا السودانية ، وهو من أطيب الأمريكان البيض الذين قابلتهم فى حياتى . فمن باب السودنة علمناه مثلا أن نقوم (بحضنه) عند السلام بحرارة سودانية أصيلة لا يعنى بأى حال أنه Gay !


و(Ken) يلتقط ما يسمعه من جمل فى سياقاتها المختلفة بذكاء ويحفظها ليستعملها عند الحاجة ، فتمر أحيانا عليه فتسأله (how are you today ؟ فيجيب بلسان سودانى مبين ( زى الزفت) ، ويقابلك فى الممر فيهتف ( قروش كتيرة مشكلة كبيرة!)

بل أن زميلة لنا سألته مرة وقد رأته يهم بمغادرة مكتبه ( Ken , where are you going) فاجاب بسودانية طليقة مادا يده فى إتجا ه الحمام : ( ماشى أبول) !