الجمعة، 27 يوليو، 2012

غرب دارفور: بطلان خرافة "لا بديل للإنقاذ"

حيدر جلو كما وأحمد إسحق



تذكرني الإنقاذ في إستمرائها كذبتها البلقاء أن "لا بديل لها إلا الفوضى" بأشعب عندما أراد شغل الصبيان عنه ببعثهم إلى مكان وليمة زعمه، وعندما إنطلق أولئك إلي المكان الذى وصفه صدق كذبته فلحق بهم فلم يجد شيئا !
جعلت الإنقاذ من همّ البديل بعبعا ما زالت تخوف به الناس ممن جربوا بؤس الأحزاب حاكمة كانت أو معارضة، وكأن البلد قد عقمت أن تنجب غيرها والأحزاب التقليدية والسياسيين المعروفين ممن خاب رجاؤنا فيهم.
 ولأن كل الطغاة يربطون أنفسهم بالوطن رباطا لا فكاك منه، يقع في إعتقادهم أن ذهابهم يعني ذهاب الوطن، وأن وجودهم قمين ببقاء الوطن وطنا، وأنه لولاهم لتخطفنا الطير وتقاذفتنا الخطوب. يربط بين الأنظمة الدكتاتورية في كل مكان الإعتقاد الجازم بأنها الوحيدة القادرة على تولي مسؤولية الحكم، وأن جميع من سواها قاصر وعاجز. يعتقد الطاغية مع مرور الزمن أنه فقط، لا شريك له، القادر على حكم هذا الشعب المسكين الذي لولاه لإكتنفه الضياع. الغريب أن هذا الإفتراض أثبت التاريخ مرارا خطله، فالقبور والسجون مليئة بمن ظنوا أنهم لا غنى لشعوبهم عنهم، فذهبوا وبقيت الشعوب.
وينسى البعض منا ممن تقاعس عن طلب الفكاك من فساد الكيزان وبطشهم مخافة البديل المجهول، أن العديد من القوى الجديدة ذات الرؤى والخطابات المختلفة قد نشأت أو قوي عودها في زمن التيه الإنقاذي.
هذه القوى، ونتيجة لسيطرة الإنقاذ على مفاصل الدولة لربع قرن، لم توضع أفكارها وأجنداتها في الإختبار، ولم يجرب الشعب ما قد تقدمه عناصرها من تجربة مختلفة و (طريق ثالث) في الحكم، بعيدا عن تعس الإنقاذ وخيبة رجاء الأحزاب.
وبطبيعة الحال لا تألو الإنقاذ جهدا في إبقاء هذه القوى بعيدا عن تجربة الحكم والإدارة، ليقينها بفشل تجربتها الذريع والبائن، ولعلمها بقدرة غيرها على تقديم أفكار جديدة وخطاب مختلف وربما حكم رشيد وجيل جديد من الساسة الوطنيين الملتزمين، إلا أن تضطر لذلك إضطرارا للإستيفاء بمستحقات إتفاقيات السلام كما بعد نيفاشا.
ورغم إن الحركة الشعبية قد إستطاعت آنذاك أن تدفع بمجموعة من كوادرها إلى مواقع الحكم المختلفة كان يرجى منها الكثير، بل وإستطاع بعضهم تقديم نمط مختلف وواعد في الإدارة والحكم، إلا أن الإنقاذ لم تدخر وسعا لإفشال هذه التجربة إما بإستمالة كوادر الحركة لصفها أو بوضع العراقيل أمامهم وسلب إختصاصاتهم التنفيذية ليكونوا مجرد ديكور .. ويقف وزير الصحة الأسبق عبدالله تية خير مثال على هذا السلوك.
وجدير بالإهتمام تجربة حركة التحرير والعدالة في ولاية غرب دارفور، فقد أثبتت الحركة بما لا يدع مجالا للشك أن هناك من بنى السودان، سواءا ممن لا زالوا يجالدون الإنقاذ داخله أو ممن تفرقوا في أصقاع الأرض المختلفة، من هو أهل للحكم والإدارة، وممن يملك القدرة والعلم والكاريزما والوطنية والإلتزام ليقدم تجربة  جديدة بعيدا عن شنشنة الإحزاب التي نعرفها وسوء الإنقاذ الذي نعانيه.
قدمت الحركة، عبر محاصصة سياسية لإستيفاء إتفاق الدوحة، مجموعة من الكوادر السياسية غير المألوفة نسبيا لأذن المتلقي السياسي السوداني، لمراكز حكومية مختلفة، غير إن ما أثار إهتمامي أكثر هو تجربتها في الحكم في ولاية غرب دارفور نظرا لحصولها هناك على منصب الوالي وبعض الوزارات الأخرى.
ورغم إن تجربة عناصر التحرير والعدالة قصيرة جدا في تولي مقاليد الأمور بولاية غرب دارفور، ورغم إن الإنقاذ مارست ديدنها في وضع العراقيل أمامها إما عن طريق عناصرها أو عن طريق حجب أو إنقاص ميزانيات التسيير من المركز، إلا أن مسؤولي الحركة إستطاعوا تقديم خطاب مختلف وصادق وشفاف، بعيدا عن النفاق الذى ألفه الناس من الإنقاذ طيلة ربع قرن، وعن الوعود الكاذبة التى ما فتر سياسيو الإنقاذ عن إطلاقها. خطاب تلمس منه أن مطلقيه ذوي إلتزام لا محدود تجاه شعبهم، وأنهم أسياد قرارهم وأفكارهم لا يخافون لومة لائم إن لم تتماهى مع ما يريد المؤتمر الوطني.
والي الولاية مثلا، حيدر قلو كما، شاب ثلاثيني من جيلنا، مثقف وذو كاريزما لا تخطئها العين. ملتزم تماما تجاه شعب ولايته وقضاياه. أكاد أجزم بقدرته على صنع تغيير واضح إن إمتلك الأدوات وصبرت الإنقاذ عليه.
أما وزير الصحة، السيد أحمد إسحق، فمثال للمهني السوداني المؤهل علما وتجربة، فقد جاء للوزارة بعد حياة مهنية طويلة في مفوضية الإمم المتحدة للاجئين، وربما هو وزير الصحة الوحيد في السودان المؤهل علميا وعمليا للمنصب والذي تلمس منه إلتزاما سياسيا ووعيا فائقا بقضايا الصحة.
ما أريد قوله، أنه سواء نجحت تجربة التحرير والعدالة في غرب دارفور، فشلت أو أفشلت، فهي دليل واضح أن حواءنا السودانية لم تعقم أن تلد غير الكيزان وممن هرم من قادة الأحزاب في إنتظار اللحظة التاريخية، وأن هناك من أمثال عناصر التحرير والعدالة من أبناء السودان الوطنيين والملتزمين كثر، منظمين أو غير منظمين، في العدل والمساواة (كزعيمها الذي يجبرك على إحترامه، الدكتور جبريل)، وفي غيرها من الحركات والمنظمات المدنية والأحزاب والقوى الحديثة كحركة حق والحزب الليبرالي بل وشباب شرارة وقرفنا والتغيير. أناس قادرون على صنع فارق كبير إن هم أعطوا الفرصة، وإن ما تهددنا به الإنقاذ من ويل وثبور إن هي ذهبت أو أذهبت لهو محض هراء.
 ستذهب الإنقاذ طال الزمن أو قصر، وسيثبت السودانيون أنهم قادرون على تقديم نفر من أنفسهم ينشلون هذه الأمة من وهدتها الطويلة ومن غياهب جبها، أناس لم تترهل بطونهم من أكل مال الشعب، ولم تسود صحائف أعمالهم من سوء ولايتهم عليه.
 قد إستبان الضوء في آخر هذا النفق الطويل، ومن مشى علي الدرب وصل.