الاثنين، 5 ديسمبر، 2016

"آخرة" المشروع الحضاري : يا فيها يا نطفيها



تعجّبت قبل فترة عندما شاهدت متظاهرين في العراق – و لم تسلم بغداد حينها من تفجيرٍ إنتحاريّ يوميّ يقتل العشرات- و قد حملوا لافتة مكتوب عليها أنْ "لا لدارفور أخرى في العراق". و يبدو أنّ الشعوب العربية ترى القشة في عين غيرها و تنسى الجذع في عينها. تذكّرت هذه المفارقة و أبواق النّظام -و قد آلمهم نجاح الشعب في عصيانه الأول -ما فتئوا يحذّروننا من مصير ليبيا و سوريا إنْ تجرّأنا على خلع الإنقاذ.

و رغم سَخف هذه المقولة، فإنّها تلقى رواجاَ هذه الأيّام بين فئاتٍ منْ غمار النّاس و بعض مثقّفيهم. و العجيب أنّ مروّجي هذا الزّعم من مناصري النّظام و سدنته لا يعلمون أنّهم إنما يُطلقون النّار على أقدامهم و يُؤذون الإنقاذ من حيث أنْ أرادوا إقناع الشعب بالقبول بها. فهي تحمل في ثناياها رسائل عدة، أوّلها الإعتراف الضّمني بدكتاتورية النظام وتشابهه مع صِنْويه في سوريا و ليبيا، و أنّ مساحيق التجميل التي ما زال يبذل فيها المال الوفير ليقنع الناس بحسن ديمقراطيته و نزاهة إنتخاباته وقوميّته لم تفلح في إقناع حتى منتسبيه الذين يعلمون في قرارة أنفسهم الحقيقة التى يعملها الجميع من أنّه نظامٌ قمعيٌ فاسد و مجرم لا فرق بينه و بين الأنظمة التى يحذّروننا من مصيرشعوبها حين إنتفضت عليها.

الرسالة الأخرى هي أنّ النظام لم يبقْ له ما يدافع به عن نفسه إلّا تخويفنا بما هو أسوأ منه، فقد يئس و يئس مناصروه من تعداد حسناته و إنجازاته بعد أنْ أثبت فشله الذريع طيلة ربع قرن في إدارة البلاد بل و عاد بها القهقري قروناً من الزمان، وأضحى بقاؤه قائماَ على إفتراض إنعدام البديل أو الفوضى التى ستحيق بالبلاد في حال الإطاحة به. كما إنّ تخويفنا من أنْ يؤول مصيرنا إلى ما تعيشه شعوب ليبيا وسوريا من أهوال، إقرارٌ من النظام بسوء حال البلاد و العباد الذى لا سوء بعده الا أنْ نتقاتل في طرقات المدن و نتشرّد في أصقاع الدّنيا و تبتلعنا البحار.

أمّا الرسالة شديدة الخطورة المضمّنة أيضاً في تحذيرنا من مصير ليبيا و سوريا فهي الإعتراف و التهديد بأنّ النّظام سيقاتل شعبه و لن يسلّم السلطة طواعيّة كما حدث في مصر و تونس، فالنّظام و منسوبوه عندما يحذّروننا من مصير دول الربيع العربي يتناسون عامدين التجربتين المصريّة و التونسيّة التى حدث في كليهما إنتقال سلمي للسلطة واختار الرئيس الحفاظ على شعبه و بلده - هذا بغض النّظر عمّا حدث في مصر بعد ذلك من وأد للثورة عن طريق العسكر- ففي التركيز عن أنْ السودان سيواجه مصير ليبيا و سوريا إنْ هو إنتفض على النّظام رسالة مبطّنة أنّ البشير و زبانيته على إستعدادٍ لتبني منهج بشار/القذافي -أو خيار شمشون الجبار- دون منهج مبارك/بن علي.

ينسى أو يتناسى المشفقون على ثورتنا من مصير ليبيا و سوريا حقائقاً عديدة في سبيل تخويفنا من المجهول المظلم إنْ نحن خرجنا منْ تيه الإنقاذ. أوّل هذه الحقائق أنّ لكل شعب "خصوصيته السياسيّة" التي تتشكّل من طبيعة الشعب و تراكم تجاربه وإرثه الإجتماعي و الثقافي، لذا فلا يجوز إسقاط نموذج سياسي معين أوتجربة لشعبٍ ما على شعب آخر و إفتراض تشابه المصائر إذا تشابهت الأهداف، خاصة إنْ إختلفت الوسائل. ففي لبنان كان الإغتيال السياسي مثلا طابعاً للحياة السياسيّة هناك لردْحٍ من الزمن، و في فترةٍ ما كان من العسير أنْ يموت سياسي لبناني على فراشه، بينما لم تتبنى هذا النموذج في "التغيير" السياسي شعوب هي أقرب للبنانييّن جغرافياً و تاريخياً و ثقافياً، و لو كانت القوالب السياسيّة في بلدٍ ما "مُعدية" كالأمراض لأصاب الدّاء الّلبناني جيرانه قبل غيرهم.

الحقيقة الثانية أنّ هذه الشّعوب -التى يستعملونها كفزاعة تُثنينا عن الثورة على نظامٍ فاسدٍ و مستبدٍ- ليس لديها أيّ تجربة سابقة للإنتقال السلمي للسلطة، بل لمْ تحظْ بالعيش تحت ظل أيّ تجربة ديمقراطية حديثة العهد، فالبعْث في سوريا و القذافي في ليبيا منذ الستينات، وقد حَظِي السودان خلال حكم البعث السوري مثلاً بحكومتين ديمقراطيتين جاءتا نتيجة ثورتين شهد التاريخ على عظمتهما و عظمة الشعب الذى قادهما.

الشعب السوداني إذاً ليس بحديث عهدٍ على الثّورات، وليس بجديد على التغيير الديمقراطي، و مُرَددّو زَعْم غَرَقنا في الفوضى إنْ إنتفضنا على الطغمة الحاكمة يستكثرون علينا أنْ نأتي بتجربة سودانيّة خالصة نعلّم بها الشّعوب و نُدهش بها العالم كما فعلنا في أكتوبر و أبريل، تأتي من رحم هذه البلاد بخصوصيّتها و خصوصيّة شعبها و تفرّده عن غيره.

ستأتي ثورتنا مثل إستقلالنا ك "صحن الصيني بلا شق ولا طق"، و لن نُخْرج الدكتاتور من حُفرة و لن نُطارده "بالعود"، فنحن "شعب أُسْطة"، علّم الشعوب كيف تنتفض، و لم يحدث في التّاريخ أنْ فشل المعلم حين إختباره فيما يعلّمه للناس.

الاثنين، 21 نوفمبر، 2016

الجنرال "صَفْرَجَت"


للجنرال "صفرجت" قصّة مشهورة عن إرتعادِ فرائِصه حينما رأى تاكسي ليلة الثلاثين من يونيو المشؤوم فحَسِبَه العدو. و لم يتحرَّج – بما عُهِد عنه من خراقة- أن يتمثّل ب "الحرامي في راسو ريشة" في مَعرِض تفسيره لخوفِه من التاكسي و صاحبه.
مخطئٌ من ظنّ أنّ هَوان "صفرجت" و ضِعَتِه و تَلهّفِه لأيِّ إعترافٍ و تقديرٍ كان قد ولّدتها ملاحقته من محكمة الجنايات. القصّة أعلاه تُرينا بجلاء أنّ"صفرجت" يعلم تماماً أنّه قد سرق الحكم و نال ما لا يملكه ولا يستحقه. فهو ما فَتِئَ من تلك اللّحظة يبحث عن من يُلقي في إعتقاده أنّه رئيسٌ شرعي و ليس بسارقٍ و مغتصب، الحقيقة التي جَحَد بها و استيقنتها نفسه وما زال و ما زالت.
أذكر أنّ "صفرجت" سنةَ إغتصابِه للسّلطة قد شارك في إجتماعٍ ضمّه في ليبيا بالأسد و مبارك والقذافي. و رغم أنّنى كُنت بعد على أعتاب المرحلة المتوسطة، فقد لاحظت بجلاء أنّ صاحبنا لم يكن إلا "تمامة عدد" أتى بها القذافي في اللحظات الأخيرة. فقد جلس الأسد و مبارك و بينهما القذافي في شكل مثلث على كنبتين متجاورتين و قد دَنَت رؤوسُهم في حديثٍ كان من الجَلِي أنّه ثلاثي، بينما تُرِك صاحبَنا صامتاً في طرف الكنبة و هو يحرّك رأسه آلياً بالموافقة. و ما إنسحاب الوزراء العرب عند حديثه قبل حين إلا مظهر آخر من مظاهر هوانه المقيم – والقديم – عليهم.
عندما أتَي الإسلامويّون بالجنرال "صفرجت" إلى السلطة كواجهة يسرقون من خلفها البلاد و يسترقّون العباد كانوا يعلمون و كان هو أعلمهم بتواضع إمكاناته الذّهنية و قصور قدراته المعرفيّة و المهاريّة، و أنّ خلوه من الكاريزما هو السبب الوحيد الذى جاء به في غفلة من الزمان على قيادة هذه الأمّة العظيمة، فلَبِث بِضع سنين لا يتخطّى دوره المرسوم ك "كومبارس" حتّى تندّر السودانيون عليه حين تلاوته بيان المفاصلة بأنّه قد "إنتقل من كونه سكرتير للترابي إلى مذيع عند على عثمان". إلا أنّ تذلّل كبار الإسلاموييّن من أمثال إبراهيم أحمد عمر و أمين حسن عمر - و غيرهما من حَمَلة الدّكتوراة و ذوي التّاريخ الطّويل في الحركة الإسلامويّة - له و خَطبِهم ودَّه أوقع في روعه أنّه القائد الملهم الذي بعث الله به لإخراج النّاس من الظّلمات إلى النّور، و أصيب بلعنة الطّغاة التى تُوهِمَهم بأنَّ إرتباطهم بالوطن لا فِكاك منه، و أنّ ذهابهم يعني ذهاب الوطن، وأنّ وجودهم قمين ببقاء الوطن وطناً، وأنّه لولاهم لتخطّفنا الطّير وتقاذفتنا الخُطوب. و مع مرور الزّمن و تزايد أعداد حارقي البخور، إعتقد "صفرجت" أنّه فقط، لا شريك له، القادر على حكم هذا الشّعب المسكين الذي لولاه لإكتنفه الضياع.
و لأنّ "صفرجت" يعلم في عقلِه الباطن قدرَه الحقيقي و هوانه على غير أعوانه، فهو ما فَتِئ يتهافت لأيّ نوع من التقدير الخارجي. و جاءت إدانته كمجرم حرب من محكمة الجنايات الدوليّة و ما تبع ذلك من زيادةٍ في تحقيره من المجتمع الدّولي و شعوبه و قياداته لتزيد من ذلك التهافت. فالجنرال الآن لا يستطيع التّحرك بحريّة، و ينسحب زعماء العالم المحترمون عندما يطلّ عليهم، بل و يأبى بعضهم أنْ يجلس في مقعدٍ يجاوره و يفضّل أنْ يترك له المكان كما فعلت رئيسة الوزراء البرازيليّة.
لذا، و إزاء تلهّفه ذاك، لم يكُن من المُستغرَب إذاً أنْ يُجَرْ "صفرجت" إلى مواقف مُحرِجة لا تليق به كشخص نصّب من نفسه زعيماً لدولة و يُعرّض بلده و شعبه "للمرمطة" و السخريّة، كفرحه الطفولي بالنصّابة التى أهدته فنيلة "ميسى" و إدّعائه أنّ الّلاعب شخصياً هو من بعثها له وما تَبِع ذلك من فضيحةٍ كبرى عندما نَفَى مكتب الّلاعب الخبر، أو إسراعِه و تنابلة السّلطان لحفلٍ وهميٍّ في إثيوبيا لتنصيبه رَمزاً "للكرامة الأفريقية"، عبر مؤسسة لم تَكُن من قبل ذلك - و لن تكن من بعده - شيئاً مذكوراً، و يبدو أنّ مجموعة من "العَطَالى" قد علمت ظَمَأ صاحبنا المنبوذ من الجميع للإعتراف فقاموا بهذه المسرحيّة الهزليّة و نصَبوا على "صفرجت" ومن معه من ماسحي الجُوخ و نهبوا قدراً غير يسير من مال الشعب السوداني.
المشكلة أنّ "صفرجت" لم يبذل أيّ مجهود لينال إحترام شعبه ليعوّض فقدان إحترام العالم له. فذات الأسباب التي جعلتْه منبوذاً من العالم المتحضّر أفقدته إحترام شعبه الذى يُدرك سرقته للحكم من غير وجه حق رغم تنصيبه مراراً عبر ما تَلى ذلك من إنتخاباتٍ هزليّة، و إكتشف حقيقة تواضع إمكاناته القياديّة و شغفه المَرَضِي بالكذْب على النّاس منذ عهدٍ بعيد. فالجنرال ليس من غير كاريزما تصلح لأيّ شئ فحسب، بل أبى إلا أن يملأ هذا الخواء بمثالبٍ عديدة كضيق الأفق و ضيق الصّدر و الخُلق، فالجنرال لا يصبر على رأي مُخالفٍ حتى من أقرب النّاس إليه، فانفضّ عنه قلّة من أصحاب الرأي، و بَقي من حوله الدّهماء و المنافقون ممّن لا يَرونه إلا ما يَرى و لا يَهدونه إلا سبيل الخراب. فليس من العجب إذاً أن يكون شخص ك "عبدالرحيم" – الذى صرّح أخيراً أنّه مشغول عن ولاية الخرطوم بعمله كسائق خصوصي للرئيس – من أقرب خلصائه و مستشاريه!
و يزيد من تقليل قيمة "صفرجت" عند النّاس كِذبه المستمر و سوقيّته الّلفظية والفعليّة والرّقص الذى أصبح ملازماً له و دالّاً على شخصيته حتى على محرّكات البحث في الشبكة العنكبوتية، يظنُّ فيه تواضعاً و قرباً من النّاس وهو ما قذفه عنهم إلى بعدٍ سحيق، فهو كَمَن يرقص على أوجاعهم و آلامهم التى كان و نظامه و لا زالوا سبباً فيها.

و ربّما كان يُمكن تخفيف مصابنا فيه لو كان صموتاً و رزيناً فالصمت حكم و قليلٌ فاعلُه، لكنّه أبى إلا إيذاء شعبه و إهانته بالكلام السّقيم و الألفاظ السوقيّة ممّا يطلقه كلّ حينٍ على عواهنه، والأمثلة تضج بها اليوتيوب و مثيلاتها، ليس آخرها تصريحه عن كَونَها "صفرجت" و ما سبقه على ذات الشّاكلة من وجوب شُرب معارضيه من البحر.
يعلم الجنرال أنّ وجوده على سدّة السلطة هو الضّمان الوحيد لعدم تسليمه لمحكمة الجنايات، و رغم كذبته البلقاء الموثّقة عن أنّه "لن يكون رئيساً في 2015" فها هو ما زال يجثم على صدورنا حتى حين، يؤذينا بكلامه السّوقي و حمقه و رعونته، يأخذ البلاد رهينةً ليضمن سلامته و يقودها من فشل إلى فشل، يعاونه في ذلك مجموعة من المجرمين ممن بَنُوا قصورَهم و فارِهِ دُورهم على أنقاض الوطن، لكنّهم يعلمون جميعا أنّهم على الجانب الخطأ من حركة التّاريخ، وأنّ يوم الحساب لا محالة قادم، نراه قريبا وإنْ رأوْه بعيداً.

حكاية "ماجيستي": رجاءاً ..لا ترُجّونا


جمعني لقاء عابر قبل سنوات برجل أعمال خليجي يزور أمريكا. حدّثني في مجمل حديثه عن إمتلاكه منزلاً في بلد عربي آخر يقضي فيه بعضاً من عطلاته. سألته "لماذا إخترت هذا البلد بالذات؟" و لأنّ محدّثي – كما اتّضح - كان من فئة الخليجيين ممّن ظنّ أنّ إمتلاك المال أو النّقاء العرقي المتوهّم قد أعطاهم الحق في بطْر الحق و غمْط الناس فقد أجاب "لأنّه البلد الوحيد الذي إذا عشت فيه أجنبي و عندك فلوس تكون دايس على أهله بجزمتك" - و قبل أن أنصرف لحال سبيلي عنْه و عنْ صَلَفه و جهله و عنصريته تبرّع فأضاف: " أنتم السودانيين لا ترضون أنْ يغلط عليكم أحد.. تقولون له خُد فلوسك و روح .. أنتم عندكم كرامة يا أخي".
و لقد صدقني في الأخيرة و هو كذوب. فالخلايجة – لظروف تشتّتنا في بلادهم من عهدٍ بعيد طلباً للرزق و هرباً من بطش حكامنا- قد علموا قبل غيرهم من الشعوب ما نحن و ماذا نكون. علمها بعضهم بالتي هي أحسن و علمها آخرون بالطريقة الصعبة. و ظلّ السودانيون في بلاد الإغتراب عصييّن على ما يمارسه بعض الأعراب من ظلمِ و عسفٍ و إضطهادٍ على شعوبٍ أخرى، و للخلايجة نفسهم مقولة مشهورة: "السوداني متل زجاجة البيبسي .. لا ترُجّه".
و تضُجُّ نواحي اليوتيوب و مثيلاتها بعشرات الأمثلة عن إعتزازنا بأنفسنا و أنِفَتِنا و تقديمنا كرامتنا على الغالي و النفيس رغم ضيق حالنا و ضيقنا بضيّيقي الأفق من حكامنا. شاهدت قبل حين سوداني يتناقش مع موظف سعودي صَلِف في معاملة ما أخّرها هذا الأخير. فما كان من الموظف أن قال لصاحبنا أنّه سينهي إقامته – و هي كلمة ظنّها ستلقي به على الأرض باكياً و مستجدياً – و لعلها كانت لو لم يكن من قيلت له سوداني أجابه بكل بساطة و كبرياء أنْ ينهيها.
عزّة السوداني و كرامته و أنِفَته أوردته في كثيرٍ من الأحيان موارد التهلكة و ألقت به في أتون مشاكلٍ لا حّد لها في وطنه و في بلاد الغربة. و لكنّها تظل واحداً من أهم ما يجمعنا و يعرّفنا كأمّة و يعطينا تميّزنا بين الشعوب.
بدأت "حكاية ماجيستي" ببوست في نواحي الفيسبوك كتبته شابة سودانية نبيهة و غيورة إسمها سلمى. وجدت سلمى إعلاناً لمطعم سوري في شارع الستين يحمل إسم "ماجيستي". و عندما نقرت على صفحة السوري صاحب الإعلان راعها ما وجدت.
لم يألْ السيد "إيهاب" جهداً في تحقيرنا و السخرية من بلدنا "القذرة" و أعلن لأصدقائه صراحة أنّ وجوده فيها "غلطة راح تتصلح عن قريب" و كأنّنا قد بعثنا له البعوث و أوفدنا له الرسل تترجّي من مقامه السامي أنْ يحل بيننا، و قد كان دونه البحر المتوسط و مراكبه العديدة. بل و قد وصلت الوقاحة و العنصرية بالسيد "إيهاب" أنْ وضع صورته بين ولدين سودانيين و كتب "آخر صورة للمرحوم".
قامت سلمى مشكورة بالتوثيق لهذه الإساءات فهاج الناس و ماجوا. قد تكون بلدنا أقل من بلدانٍ كثيرة في بعضٍ من وجوه الحضارة و لكنّه لالوبنا الذي يعجبنا من دون تمر الناس. نحبّها على ما هي عليه، بنيلها و أرضها و طينها و بأراذل القوم من كيزانها. نختلف فيما بيننا و نقتلع من على ظهرها من كان سبباً في شقائها و لكننا لا نقبل أن يسيئ لها و لشعبها من قبلت ْأن تؤويه معززاً مكرماً مِن دون دول كثيرة "شقيقة" و "صديقة" قفل بعضها بابه و فتحها بعضه للعيش على هامش الحياة و على الرصيف و أبواب المساجد.
و لأنْ "آخر صورة للمرحوم " قد أطارت النوم من عيني، فقد طرحت في البوست فكرة أنْ نذهب في اليوم التالي لصاحب المحل محتجّين و طالبي إعتذار. و قمت "في ليلي داك" بتصميم ملصقين حَوَيْن صوراً لبوستات إيهاب الفيسبوكية و تعليقات عليها. إستجاب لي مشكوراً الأستاذ وليد.
بدأت بمركز شرطة الرياض فوجدت ثلاثة ضباط شباب أطلعتهم على الأوراق و سألت عن إمكانيّة فتح بلاغ. و رغم تعذّر الخيار الأخير لعدم الإختصاص، فقد أثلج صدري تفاعلهم، بل و عندما علموا بنيّتنا التّوجه للمحل للإحتجاج بطريقة حضاريّة أعطاني الضّابط رقمه قائلا "كان عمل مشكلة أضرب لي".
ذهبت و وليد للمحل فوجدناه مغلقاً فقد حسب أصحابه صيحات الفيسبوك عليهم العدوَّ فحذِرونا. وضعنا ملصقاتنا على جدران المحل و أخطرْنا أخويْن سوريّين آخريْن توقفا لأخذ صور للملصقات أن يبلغو أصحاب المحل إنْ كانوا يعرفونهم بغضبنا على سلوك إيهاب و عن نيّتنا مواصلة إحتجاجنا، فقال السوري و قد قرأ بوست إيهاب: " يا غريب كن أديب" ! طيب..!
ستظل بلادنا كما كانت من قديم الزمان ملجأً و ملاذاً للمحتاجين و المنكوبين .. ليس فقط للسوريين بل و لأشقائنا من الحبشة و لتوائم أرواحنا من جنوبنا الحبيب. بلاد ناساً تكرم الضيف و تشبع الطيور الجائعة "من أطراف تقيها".
أقول للإخوة السوريين أنتم على العين و الراس .. فقط: رجاءاً .. لا ترُجّونا.

الخميس، 17 مارس، 2016

قضيّة أطبّاء أم درمان: يا غِرِقْ يا جيت حازِمَها

لا يخفى على أحد العداء الذي ناصبته عصابة الجبهة الإسلاميّة للأطبّاء منذ إنقلابها المشؤوم في 1989. فقد تعاملت السّلطة منذ وقت باكر مع الأطبّاء بمبدأ "هم العدو فاحذرهم" و تربّصت بهم الدوائر و جعلت العسف بهم من أوْلى إهتماماتها بشكل لم يحدث مع أيِّ مجموعة مهنيّة أخرى. بدا ذلك واضحاً من القمع المبالغ فيه لإضراب الأطباء في 1989 و ما تلاه من الحكم بالإعدام على نقيب الأطبّاء الدكتور مأمون محمد حسين و تعذيب و إغتيال الدكتور على فضل. لقد بعث ذلك الإضراب برسالة واضحة للسّلطة مفادها أنَّ الأطباء ككيان واعي و متّصل بالشعب و مدرك لآلامه و حامل لتطلعاته سيقف حجر عثرة في طريق مشروعهم الإجرامي، و أنَّ من أولويات تثبيت قواعد حكمهم أنْ يقضوا على أيِّ كيان يجمع الأطباء في ماعون واحد، وأن يعملوا جاهدين على كسر هممهم و تقزيم دورهم.

كذلك، لم تدّخر السّلطة وسعاً في التنكيل بالأطبّاء و إذلالهم عبر "منسقيّة الكوادر الطبيّة" التابعة للخدمة الوطنيّة سيئة الذكر. و قد تصدّى لهذه المهمة أطبّاء من كوادر السلطة من أمثال "أنورمحمد على" و "الشيخ الصديق بدر"، حيث كان من يتولّى منصب المنسق فرعونا ً صغيراً في التكبّر و الظّلم، فعاملوا زملاءهم الأطبّاء من غير منسوبي السلطة بكثير من الصّلف و كمواطنين من الدرجة الثانية و قذفوا بهم في إلى مناطق الحرب خاصّة من كانوا ينتسبون لتنظيمات معارضة أيام مزاملة هؤلاء في الجامعة، بل و اجتهد هؤلاء في تحرّي إذلال الأطبّاء من غير طائل، فقد قام الأخير مثلاً عند تولّيه منصب المنسق بإلغاء قانون يعفي الأطبّاء ممّن تدرّبوا قبل الجامعة في معسكرات الدفاع الشعبي من التدرّب في معسكرات الخدمة الوطنية مرّة أخرى مجبراً المئات من زملائه على دخول المعسكرات من جديد و التعرض للذل و المهانة بينما هو نفسه قد تجاوز التدريب العسكري بتصنيفه من الفئة (ج).

و كي لا يقوم للأطبّاء كيان جامع قد يهدد النظام، فقد قام بحرمان الأطبّاء من ممارسة حقهم النّقابى بسن ما يسمى بقانون نقابة المُنشأة الذى يجعل من النّقابة مجتمع لشتيت متنافر من النّاس الذين لا تجمعهم ذات المصالح والآمال والتطلعات، بدلاً عن القانون القديم الّذى تقوم النّقابة فيه على أساس المهنة. فتكوّنت على أساس هذا القانون ما يسمّى بنقابة المهن الصحيّة، والّتى حشد النظام أنصاره لقيادتها كالعادة، ولم يهتم الأطبّاء بالتمثيل فيها أو الإنضمام أليها بإعتبار إنها أحد صنائع النّظام.

أما إتّحاد الأطباء فهو هيئة خدميّة أكثر منها مطلبيّة. ورغم سلبيّة هذا الإتّحاد ومحدوديّة دوره إلّا أن النظام لم يألْ جهداً أيضاً فى الدّفع بإنصاره للسيطرة عليه. وقد فشل الإتّحاد المذكور فى تبنّى العديد من قضايا الأطبّاء الملحّة و وقف موقفاً سالباً وعدائياً تجاههم فى بعض الأحيان مما دفع الأطبّاء لتجاهله وتكوين كيانات مخصّصة لتلبية مطالبهم، حيث وقف الإتّحاد موقف المتفرّج لدى مصادرة ميز أطبّاء مستشفى الخرطوم فى التسعينات وتشريدهم، فقامت لجنة الميز المكوّنة آنذاك بالتصدّى للسّلطة و فرض شروطها التّى أدّت لضمان عدم تشريد أىِّ طبيب وبناء الميز الجديد. وقام الأطبّاء بعد ذلك بتكوين لجنة الأطبّاء والنوّاب التى انتزعت من النظام مجموعة من الحقوق الماديّة والمهنيّة فى ظلِّ غيابٍ تام أيضاً للإتّحاد المذكور. بل إنّ مسؤوليه رفضوا السّماح للّجنة بالإجتماع مع قواعد الأطباء فى دار الأطباء فى تصرّف مُشين أدّى لتعميق الفجوة القائمة بين غالبيّة الأطباء والمجموعة القائمة على أمر الإتحاد.
و قد وصل الصدام بين الأطبّاء و النّظام ذروته عندما إعتقل جهاز الأمن اللجنة التنفيذية للجنة الأطبّاء لمدة طويلة على أمل أن يؤدّي ذلك لكسر شوكة الأطبّاء و ثني عزيمتهم.

لقد أدّي غياب الصوت النقابي لأطبّاء السودان إلي أن يُصبحوا ضحية للكثير من الإعتداءات و الممارسات غير اللائقة، و تعدّدت حوادث الإعتداء اللفظي و الجسدي على الأطباء خاصة من قبل منسوبي القوات النظامية. و تأتي قضية نواب إختصاصيي الجراحة بمستشفى أم درمان كتتويج لهذا العبث و كمثال لسكوت و ممالأة السّلطة لما يحدث بصورة مستمّرة و ممنهجة من إضّطهاد و إستهداف للأطبّاء.

تتلخّص القضيّة في أنّ مجموعة من أطبّاء مستشفى أم درمان قد تعاملوا مع حالة مريض مطعون مجهول الهويّة - وجد ملقياً في الشّارع و أُحضِر إلى المُستشفى بواسطة فاعل خير- بما يُملِيه عليهم ضميرهم المهني و إنسانيتهم فأخذوه لغرفة العمليات و قاموا بعمل الّلازم، إلّا أنّ المريض إنتزع أنبوب التصريف من بطنه و هرب من المستشفى و توفّي بعد ساعات في الشارع. رغم مأساوية الحدث، إلا أنه لا يخرج من إطار الممكن، ويحدث كثيراً أنْ يهرب مريض من المستشفى ضد نصيحة الأطبّاء و يُؤدي ذلك إلى تدهور حالته بعد أنْ يفقد العناية الطبيّة الّلازمة. إلا أنّ ما حدث بعد ذلك كان من الغريب و المدهش في آن، تصلح وقائعه لرواية خياليّة من روايات الإثارة، فقد قامت الشرطة بإلقاء القبض على الفريق الذى أجرى الجراحة بتهمة القتل العمد! بل أنّ الأمر تعدّي لمحاكمة الأطبّاء المذكورين بنفس التّهمة بمجمع محاكم أمبدة بناءاً على تقرير لطبيب شرعي يُرجع الوفاة لثُقب في الأمعاء.

لقد تداعى أطباء السودان و وقفوا كالعهد بهم صفاً واحداً خلف زملائهم ضد هذه المسرحيّة الهزليّة. و لا يراودني شك في أنّ ما يحدث يتم بعلم و مباركة النّظام الّذى لا يكاد يفوّت فرصة للنيّل من الأطبّاء و "تكسير مقاديفهم". إنّ هذه الحادثة المؤسفة تُخبرنا أنّ معركتنا مع النّظام طويلة، و أنّ صمود الأطبّاء و إتّحادهم هوالسبيل الوحيد لإنتزاع حقوقهم للعيش و العمل بكرامة في هذه البلاد. ستكون وقفتنا خلف زملائنا بمجمع محاكم أمبدة رسالة قوية ضد الظّلم و ضد محاولات النّظام "لتصدير"ما إستطاع من الأطباء و تدجين من بقى منهم.

و لنْ ننسى أبداً أنّ هناك من الأطبّاء من رَضِى بأن يكون مخلباً في يد النّظام و خان زملاءه و قسم الأطباء و أخلاق المهنة، و قائمة العار هذه طويلة لا تبدأ ببشير إبراهيم مختار و أحمد سيد أحمد الّلذان قررا أنّ الشهيد على فضل قد مات بالملاريا، مروراً بمن إضّطهدوا زملاءهم الأطبّاء من على قيادة منسقيّة الكوادر الطبية، و من الأطباء ممّن إنتسبوا لجهاز الأمن، و من نفّذوا حد القصاص وقطعوا يد مواطن في مستشفى الشرطة، ولا تنتهى بكبيرهم مأمون حميدة.
ستبوء محاولات النّظام لكسر شوكة الأطبّاء بالفشل، و ستذهب جهوده لتدجينهم أدراج الرياح. فالخبر الذى لا يُسعد عصابة الإنقاذ أننّا هنا باقون، و سنكون جزءاً أصيلاً و قائداً في التغيير القادم الذى سيقذف بهم إلى حيث يستحقون .. و يعيد للوطن كرامته و لأهله عزّتهم.

الأحد، 17 يناير، 2016

"شيخ اللّمين" .. أو في مظاهر إنحطاطنا الحضاري



لم أكترث كثيراً لِلِمُوع نجم "شيخ اللّمين" و إنتشار أخباره وسيرته حتى كادت أن تسد علينا السكك. فرغم أنّ "شيخ الليمن" ظاهرة تدعو للعجب من ناحية إتّباع الكثير من صفوة المتعلّمين له رغم وضوح زيفه، إلا أنّني كنت على يقين أنّه – بكل ما حوله من زخم- ليس إلّا عَرَضٌ يسير و علامةٌ لا تذكر من علامات ما نحن فيه من بؤس و إنحطاط حضاري تردّينا إليه ولم نزل منذ أن تسلّط علينا "الحاكم بأمر الله" و طُغمته.

لا يُمكن بأي حال فصل ظاهرة "شيخ اللمين" من باقي علامات التردّي المريع الذى أصاب بلادنا .. فهي متلازمة متعددة الأعراض و الأسباب. "شيخ اللّمين" مثله مثل "التّدعُّش" و فساد الدولة المصحوب "بقوة عين" و أطفال المايقوما و إنتشار المخدرات و الأغاني الهابطة .. معالجة أيٍّ من هذه القضايا بمعزل عن التصدّي لمنظومة الأسباب الإجتماعية و الإقتصادية و السياسية التي أفرزتها، يكون كمحاولة القضاء على السرطان بحبّة أسبرين.

الإنحطاط الحضاري للأمم و تقهقرها في سلّم الأخلاق الإنسانيّة يأتي دائما كنتيجة للإستبداد. عندما تُسلَب الحريّة من شعبٍ ما أو أمّة، فإنها لا تتوقف عن الصّعود و الإرتقاء في شتّى مجالات الإبداع الإنساني و العلمي و الفكري فحسب، بل إنّها  تعود إلى الوراء. و تبلغ أقصى درجات هذا السّقوط في وقتٍ قريب من أوان خلاصها.. فلَيلُ الأمّة إنّما تشتد حِلكته عندما يحين بزوغ فجرها.

الإستبداد المطلق المرتكز على أيدلوجيا تمنحه الشرعيّة و تُكفّر و تُخوّن من يخالفه، يرى في كلِّ فكرة سلاحاً يصوّب تجاهه.  لا يريدنا أبداً أن نفكّر بحريّة أو أن نُبدع، فهو دوماً لا يُرينا إلا ما يرى ولا يهدينا إلّا سبيل الرشاد. و لأنّ الوعي هو ما يجعل الشعوب "تري الملك عارياً"، فإنّ الأنظمة القمعيّة دوماً ما تجعل من الإستنارة و العلم و أدواتهما ألدّ أعدائها، تبذل في سبيل سحقها كل ما تستطيع، تُدخل شعوبها ظلاماً تجهد ألّا يكون فيه بصيصٌ من الضوء .. فمن الطبيعي أذاً أن تنمو الكائنات الطفيلية مثل "اللّمين" في هذا الجو العَطِن المُعتم.

يعلم المستبدّون أنّ ليلهم قصير إن هم لم يعمدوا إلى ضرب مراكز الوعي أولاً، و هذا ما فعله أصحاب المشروع الحضاري عندما عاثوا فساداً في المناهج التعليمية و السلّم الدراسي و استهدفوا الجامعات و النقابات العمالية و الإتحادات الطلابية و المراكز الثقافية وشرّدوا قادة الفكر و الرأي و أساتذة الجامعات في أصقاع الأرض. حرص هؤلاء تماماً على أن ينشأ جيل إنقاذي مشوّه، تقطّعت به السُّبل إلى منافذ الضوء فتخبّط في الظلام. و في ظلام كهذا تبرز كبدائل زائفة التنظيمات المتطرفة كداعش، و الّلاعبين بالدين "كشيخ اللمين"، و المخدّرات و عبادة الشيطان و غيرها، و كلّها كمثل "أبْ لمْبة" الذي يقصده التائهون في ظلام الصحراء حتى إذا أتُوه لم يجدوا شيئاً بل و أمعنوا في التّيه و الضلال.

على مرِّ التاريخ كان الإستبداد مصحوباً بعلامات إنحطاط الأمم الحضاري و تحلّلها الأخلاقي و إنشغالها بسفاسف الأمور و توافهها عن العطاء الفكري و العلمي و الإنساني. في عهد الحاكم بأمر الله "أبو علي المنصور" إنشغلت مصر بتحريم الملوخية و الجرجير و منع خروج النساء، و تنافس النّاس على القفز من أعلى القصر و مات منهم ثلاثون في مسابقة كانت جائزتها "بصلة"، و في عهد السّيسي إنشغلت مصر ب"أبله فهيتة" و حروب الجيل الرابع و جهاز تحويل الإيدز إلى كفتة. و كما إدّعى "إبن حيدرة الفرغاني" أنّ الله قد حل في الحاكم بأمر الله حينذاك، إدّعى "سعد الدين الهلالي" أن السّيسي و محمد إبراهيم من رسل الله و ادّعت صحيفة أنّ الغيوم قد رسمت صورة السيسي في سماء القاهرة.

و إذا أجلنا نظرنا فاحصاً في التاريخ، سنجد أنّ لكلّ عهد إستبدادٍ وفساد "شيخ لمينه" أو "شيوخ لمينه" ممن يستغلّون ما يصاحب القمع و الطُّغيان من ظلام معرفي و تغبيش للوعي فيزدهر دجلهم و إستغلالهم للدين،  يرتقون بهما سلم المجد الإجتماعي و يحوزون السلطة السياسية و الرّفاه الإقتصادي . فكما ظهر "الفرغاني" في عهد الحاكم بأمر الله، تمدد الرّاهب "راسبوتين" في عهد نيقولا الثاني حتّى غدا الحاكم الفعلي لروسيا و من أبرز نجوم المجتمع، و ظهر "أبو جميزة" في عهد الخليفة عبدالله ففُتِن به النّاس و آمنوا بقدرته على صنع المعجزات، و في زمن محاكم التفتيش في أوربا قضى الآلاف نحبهم تحت مقصلة الكنيسة الكاثوليكية لأن دجّالا إّدعى أن له قدرات روحيه مكّنته من معرفة "المهرطقين" ضد الكنيسة. فالقاسم المشترك هنا هو الإستبداد المطلق و الظّلام المعرفي و تغييب العقل و المنطق لمصلحة نظام حكم يستمد قوّته و إستمراريته من وجود و ديمومة هذا الإنحطاط الحضاري.

لقد إستطال ليلُ الإنقاذ فجدبت أرض السّودان و نضبت ينابيع الفكر و المعرفة والإبداع الإنساني، و لأنّ النبّات "البروس" لا ينمو مع ما ينفع النّاس و يمكث في الأرض، قَوِي عود أمثال "شيخ اللّمين" ممّن رأت فيهم السّلطة ما يشغل الشباب عن التفكّر في ظلمها و فسادها و محاولة تغييرها، فالإنقاذ لا تكترث إذا تدروش الشّباب مع "اللمين" أو تدعّشوا أو تعاطوا "الشّاش" أو عبدوا الشيطان طالما ظلّوا بعيداً عن تهديد وجودها .. فهي في أحسن الأحوال ساكتة عن هذه القضايا هذا إذا لم تكن متماهية أو داعمة.

و كما أنّ الإنقاذ قد أعملت جُهدها في إفقار الشّعب و أسغابه معرفياً و فكرياً، فهي أيضاً لم تدّخر وسعاً في تجويعه و إفقاره إقتصادياً حتى غدا منشغلاً عنها وعن مستقبل البلاد بالّلهث وراء قوت يومه، و استطاعت إختزال أحلام الناس وآمالهم في رغيف خبز وحق مواصلات ورسوم مدارس. و عندما يقترن الجدب المعرفي و القهر السياسي بضيق الحالة الإقتصادية و إنسداد الأمل في الخلاص يتّجه الناس للغيبيات و يجد "الّلمينيون" و أمثالهم أرضاً خصبة تزدهر فيها بضاعتهم.

طالما بقي "حاكمنا بأمر الله" سنظلّ فيما نحن فيه من بُؤس، و ستظلُّ النباتات الطفيلية تجد لها أرضاَ يباب مات فيها الزّرع النّافع و إكتنفها الظلام. إنّ "شيخ اللمين" و غيره علامة لمرضٍ عُضال قد أصابنا منذ أن تغطّت بلادنا بهذا الليل الحالك، و يحدّثنا التاريخ أنّ كلّ أعراض هذا المرض ستفارقها ما أن تشرق شمسُها من جديد.



الثلاثاء، 25 أغسطس، 2015

حسن إسماعيل: الصعود إلى أسفل


لم أكتب مقالاً و أنا أتجرع هذا القدر من المرارة منذ هبّة سبتمبر و مجزرة شبابها الغض. مدهشٌ كيف أن خبراً صغيراً كتعيين وزير في حكومة ولائية يمكن أن يقذف بك بسرعة في سحابة من الحزن و اليأس.
لم يكن حسن إسماعيل أول معارض يلتحق بالإنقاذ و لن يكون آخرهم .. لكن الوجع الذي رافق فجيعتنا في حسن يتجاوز شخص حسن نفسه ليضعنا وجها لوجه أمام ما كنّا ندفن رؤسنا منه زمناً طويلاً ..ذلك أن أزمة المبادئ و الأخلاق ليست حكراً على سياسيّي النظام .. وأنّ الحاكمين و المعارضين هم على حد سواء في الإنتهازية واللا مبدئية و التشدّق بالشعارات قولاً و النأي عنها في الأفعال. إستوزار حسن سطّر فصلاً جديدا في فصول خيبتنا و يأسنا من بديل صالح و أملنا في من يخلّصنا من غيابت ما نحن فيه من جُب.
ما حدث لحسن إسماعيل دلالة على أنّنا لبثنا زمنا نحرث في البحر .. و أنّه ليس لدينا ما نعوّل عليه أو من نعوّل عليه، و أنه ليس ثمة أي ضوء في آخر نفقنا الطويل و ما من نهاية لليلنا الحالك.
ما يجعل إستوزار حسن و إلتحاقه أخيرا "بالمسيرة القاصدة" أكثر ألماً دون غيره من المعارضين ممّن باعوا أنفسهم للإنقاذ أن حسناً "واحد منّنا" .. هو من ذات الجيل الذي شكّل وجدانه ضد النظام بطش كيزان التسعينات و عبثهم في جامعة الخرطوم وغيرها .. و كان حضورا لإستشهاد محمّد عبد السلام و إحداث أخرى جسام. . لم يكن حسن حينها متفرجاً بل قائداً للصفوف، عرفناه خطيباً مفوهاً و معارضاً شرساً أنفقنا زمناً في سماع خطبه و خرجنا على إثر بعضها للشارع نشاركه الهتاف ضد من يشاركهم الآن الموائد .. كان معنا في الكافتريا و الداخلية و المظاهرة، و ساعة تبدأ الأركان و ساعة السمر بالليل.
ما حدث لحسن يجعلنا نتساءل من منّا محصن  .. و من التالي .. و هل من مناعة بقيت للمعارضين تمنعهم من اللحاق بالرّكب إذا كان من سد علينا السكك بالشعارت و ملأ علينا الفضاء بالخطب قد إنتهى إلي هذا المصير؟
 سقوط حسن ينسف ثقتنا بالجميع .. فهل كلّ معارضتنا وسيلة لمثل ما أدركه حسن؟ و هل في كلّ معارض منا حسن مستتر ينتظر إهتبال أول فرصة؟
تقرأ ما خطّه حسن لحين قريب فلا تصدّق لما إنتهى عليه .. تسمع خطبته في سرادق الشهيد صلاح سنهوري فتستعجب في قدرة الإنسان على التحوّل هكذا من نقيض لطرفه قبل أن يرتد إليه طرفه ..
لا أدري ما هو الحكم المحلي الذى أستوزر فيه حسن، لكنّي على يقين أنه لن يكون سوى خشخيشة أخرى في يد النظام سيقذف بها بعيداً بعد نفاذ أغراضها، و التي من أولها ضرب مصداقية المعارضين و بيان إنتهازية من كان يعد من أشرسهم .. فلا أظن أنّ إختيار حسن تحديداً قد تم إلا لهذا الغرض.
 الغريب أن حسن كرّر نفس أسطوانة من سبقه من معارضين ممن إلتحقوا بالرّكب قائلا أنه سيستغل موقعه -كوزير منسي في وزراة منسية- "لنصح" النّظام! فليبشر النظام إذاً بطول خطل منهجه و فساده و إستبداده.
محبط أنا و يائس .. و حزين لأسر شهداء سبتمبر الّذين رأوا من صدح "بكلمة الحق" قبل زمن قريب في سرادق أبنائهم -لا يخشى فيها لومة لائم- و قد أصبح في زمرة قاتليهم.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 

الأربعاء، 29 يوليو، 2015

ناس الحكومة: ما طارين الموت



رغم مصارعهم الشنيعة تتري واحداً تلو الآخر، فإنّي علي يقين أنّ مشكلة أهل الحكم الحقيقية أنهم ما طارين الموت .. يظلُّ الموت بالنسبة إليهم شيئاً يحدث لجارهم المُسن في الحلة او لجندي تعس قذفوا به في أتون حروباتهم التي لا تنتهي. إذا كانوا طارين الموت ..فقل لي بالله عليك ...لماذا ما زالوا - وكلهم قد جاوز الستين - يكنزون ذهب الشعب و فضّته؟ و لماذا ما زالوا يتطاولون في البنيان بينما تقصر آجالنا بالسقم و المسغبة؟ و لماذا ما فتئوا يتّخذون من النّساء مثني وثلاث و رباع  بينما يتّخذ بعض رعاياهم الجبال بيوتاً و سكناً خشية حمم السماء تصُبّها أنتنوفهم؟

أحتار أنا كيف ينام خليفتنا في الأرض و قد أحلّ زبانيته دم المسلمين في بلادنا فقتلوا النّاس قبايل العيد و أخفوا قبورهم؟ كيف يضحك ملئ شدقيه وقد دفنت قنابله النّاس في جنوب كرفان فلا بواكي لهم ولا قبور تُزار؟ كيف يطرب و يرقص أمام النّاس و قد أثكل في سبتمبر مائتي أمٍّ، لا يخشي أن يصيبه دعاء إحداهن في جوف الليل؟

طال أمد حكمهم فقست قلوبهم .. و ما تزال تقسو ما إستطال بهم ليلنا. نسوا الله و قد رفعوا إسمه زوراً شعاراً لحكمهم فأنساهم أنفسهم. كان إخوانهم في بادئ الأمر ينشدون أن من جماجمهم تُرسي زواياه، فانتهي الأمر بأصحابهم أن أرسوا طريقاً-لهم لا لله- من جماجمنا. و سيظل بنيانهم الذي بنوا من دم شعبهم، دوماً ريبةً في قلوبهم، فهم يخشون حساب الشعب يوم أن يكشف الناس ما قدّموا، و ينسون يوم الحساب الاكبر. يحسبون كل صيحةٍ عليهم من رعيتهم هم العدو فيريقون في سبيل إسكاتها الدّم الذي حرم الله.

منذ أن جاءونا قبل ربع قرن، ما زالوا في كل يوم يخادعوننا و يخادعون الله و ما يخدعون إلّاأنفسهم. يدّعون أنّهم مايريدون إلا الإصلاح ما استطاعوا و يسلكون عمداً سبل الإفساد و الفساد. يهتفون أن هي لله في كلِّ حينٍ و تعلم أنفسهم أن هي إلّا لهم سلكوا في سبيل إغتنامها كلّ طريق و داسوا علي كل مقدس. لا يستحي هامانهم أن يخرج علي الناس بعد ربع قرن من إسغاب الشّعب و سحقه باسم الله فيقول أنّهم  ليسوا بمطعمي الناس من جوع و إنما مقصدهم أسمي و أجل .. يكذب ساكن الرياض ذلك الذي لم يبت الطّوي مرّةً ولم يبكي عياله من الجوع و المرض أبداً و يتحرّي الكذب، ويظن أن النّاس ما زالوا يصدّقون هراءه و أصحابه .. كذب النّاس منذ أمدٍ بعيد بدجل أهل السّلطة و استيقنت أنفسهم أنّهم ما جاءوا لمقصدٍ جليل، و علموا أنهم يقولون مالايفعلون و يبدّلون دين الناس كما يشتهون و يُظهرون في الارض الفساد.

مذ أن جاءوا و إدّعوا الإصلاح ما برحوا ينقُضون غزل الوطن من بعد قوةٍ أنكاثاً لينسجوا غزل ما جمعوا من سحت .. فضاعت سودانير و مشروع الجزيرة و النّقل النهري و باعوا ماسبيو و غيرها بأبخس الأثمان و قبضوا العمولات فهدموا ما بنى من قبلهم و جلسوا على تلةٍ من خراب.

و قد كان أهل الحكم أولى من غيرهم بالإعتبار مما يصيب رهطهم، فقد غرق منهم من أغرق قلب أمّ مجدي بالأحزان و عينيها بالدموع، و أحترق من حرق جوف أمهات و أبناء شهداء رمضان .. أصابتهم دعوة مظلوم ليس بينها وبين الله حجاب فأصبحوا أثراً بعد عين .. لم تنبئ مصارعهم السيئة تلك جماعتهم بأن يرعووا فيتّقوا من يمهل ولا يهمل و دعوات من ظلموا و أثكلوا وشردوا.

و لما كانوا لا يزالون في ضلالهم القديم بأنهم جندٌ للقرآن فما فتئوا يقتبسون جلّ حديثهم منه، يلبسون الحق بالباطل، فقد جاريناهم في هذه المقالة، فهذه بضاعتهم ردّت إليهم. عسي ربنا أن يفتتح بيننا وبين أراذل قومنا هؤلاء بالحق وهو خير الفاتحين.

السبت، 20 يونيو، 2015

"لييته" ما علينا .. في ألعاب زمننا الجميل



"لتعلم أنّ هذا الجيل في أزمة .. إسأل نفسك متى كانت آخر مرة رأيت فيها كورة شرّاب" -  مفكر سوداني مجهول!

"ليييته ما علينا" .. عندما يهتف يها أحدنا جذلاً ماطّاً حروفها ما شاء الله له أن يمط، يضيف إليها أحيانا "لا رجوع"، كانت إشارة على حدثٍ مهم، وهو إكمال فريق الصّائح رصّ عمود علب الصلصة قبل "موتهم" أجمعين .. تبدأ الحكاية بكرة الشراب و قد أصابت العمود المكوّن من عِلب الصلصة الصغيرة الحمراء فمزّقته شرّ ممزق و بعثرته في كلِّ مكان  .. يتفرّق بعدها أعضاء فريق الضّارب و ينتشرون في الأرض قدر ما تسمح به مساحة الزقاق المنحصر بين حيطة بيت جدي البدري وبيت ناس دكساوي، و يحاول أعضاء الفريق الخصم إصطيادهم بكرة الشّراب الواحد تلو الآخر قبل إكمالهم رصّ العليبات ..لذا كان كلّ فريق حين تحضُرنا القسمة يحرص على أن يعضّد صفوفه بمن إشتهروا بأنهم نيّاشين .. لا تملك أن تفلت من أن تصيبك كرة شراب يقذف يها أحدهم في إتجاهك مهما راوغت و جريت.. يرسلها كالصاروخ في إتجاهك فتصيبك في ظهرك و تُقذف بك خارج المنافسة ..

و "ليته"، نقولها إختصارا ل "كومبليته" –غالباً من  complete -واحدة من ألعاب عدّة شكّلت وجدان طفولتنا في الثمانينات ..نجتمع بعد الغداء في زقاقنا أو في غيره -فهم كثر- يوم ما زال الأطفال يتّخذون الشارع ملعباً و منشطاً و مكاناً للسمر و أحياناً للمذاكرة .. نجلب كور الشرّاب المصنوعة من شرابات أهلنا الموظفين بالدولة و المحشوة بالدلاقين و كلّ ما كان في متناول يد صانعها، ففي زمننا لم يكن من السّهل أن تجد شراباً قديماً في الكوشة .. فقد كان لجيلنا الفضل الكبير في "إعادة تدوير" الشرّابات و عِلب الصلصة و حجارة البطًارية و كل ما وقع في إعتقادنا صلاحه في ألعابنا ..

و لم تكن "ليته" وحدها مما نلعبه بكرة الشرّاب و عِلب الصلصة، نساهم بها في نظافة الحلة و إعادة إستهلاك قمامتها، فبكرة الشرّاب لعبنا "الصبّة"، و قد برع فيها محمد حسن و بلغ فيها شأواً جعله لا يُغلب ولا يُنافس .. فقد كان "لقّافاً" لكرة الشراب حين كونه "العولاق" .. و العولاق في لعبة "الصبّة" يكون في منتصف لاعبين يقذفانه بكرة الشرّاب .. فإذا أصابه أحدهما فقد مات .. و إن "صبّ" الكرة أي لقفها فد منح "روحاً" جديدة تتيح له الإستمرار في اللعبة .. و قد كان لبعضنا كمحمد إبراهيم و سيف دكساوي ضربة يتحاشاها الأشاوس ..تلقاك في ظهرك مدبراً غير مقبل "فتموت" و تخرج و يبقى الألم لساعات .. "فميتةٌ" هي و خرابُ قميصٍ و ألمٌ في الظهر ..

أما "روندسة" فقد جلبها لنا النّضيف السّر من عطبرة .. و كان جلبُها فتحاً مبيناً لما فيها من إختلاف عن نمط ألعابنا السائد حينئذ .. و أزعم أنّها تقليدٌ للرجبي أو كرة القدم الأمريكية، ينقسم فيها الناس لفريقين .. يلقي لاعبان من الفريق الأول كرة الشرّاب لضرّاب الفريق الثاني فيضربها بكل قوته في إتجاه الميدان "حوش الشوش" .. فإن لقفها لاعبو الفريق الأول يموت لاعبو الفريق الثاني المنتشرون على الخط المصنوع من الرماد أو حَفر الأرجل .. و إن سقطت يجتهد لاعبو الفريق الثاني في الجري لإدراك "الميس" قبل أن يجلبها المنافسون لمنطقة الضرّاب ..

و بعض ألعاب جيلنا – ذلك الجيل الّلاحق لجيل "شليل"- كانت محض إجتهادات يأتي بها بعضنا و نطوّرها فتنال حظّها من التجريب و النّجاح أو تمضي فلا يأسى لها أحد .. و لمحمد حسن الفضل في إتحافنا بلعبة "البيضة" و تخليص الشعديناب من حجارة البطّارية القديمة أولا بأول .. فبعد رسم ميدان كرة قدم صغير بالجير أو الرماد أو أصابعنا – حسب ما إتّفق- نقوم "برَص" حجارة البطّارية الحمراء "إفرريدي" في أماكن اللاعبين في منتصف الميدان .. و الظّهرية "نسيت إسمها" في الميدان الآخر .. و نحرّك كرة البنق بونق "هذه المرة ليست كرة شراب .. فهي للأسف أكبر من الّلازم" بأصابعنا و بعون الّلاعبين الصغار "حجارة البطارية" في إتّجاه مرمى الخصم ..

و قد برع محمد حسن في تطوير هذه اللعبة فصنع لنا عرّاضات من الأسلاك بل و كساها بشبكة صغيرة لا أدري من أين أتى بها حتى لا تهرب منّا الكرة عند إحراز الهدف .. و غنيٌّ عن القول أن محمداً كان "أحرفنا" في لعبة البيضة .. كيف وهو عرّابها الأول ..
و قد بلغ شغفنا بلعبة "البيضة" أننا قد عكفنا عليها طيلة أيام الجمع .."ندُكّ" لها صلاة الجمعة و لا نترك لها فطورها ..و كانت الجمعة حينئذ إجازتنا الوحيدة ..نجلس أمام بيت "بت رمضان" حفظها الله بالسّاعات .. لا نخاف إلّا أن يمرّ علينا أستاذ "بدوي"- حفظه الله- في طريقة للجمعة أو قادما منها ..و لأن محمد حسن كان أشطرنا و "أشفتنا" و أعلمنا ببواطن الأمور، فقد جاء لنا بخطّة تقينا غضب أستاذ بدوي على عكوفنا على اللعب و تركنا صلاة الجمعة .. فجمع لنا من ورق الفلوسكاب و أقلام الشيني ما شاء الله له أن يجمع، ثم جلسنا و شرعنا في عمل جريدة حائطية و من ثم أخفينا ما تمّ منها في زاوية في ورشة خاله فيصل، و تناوبنا في الوقوف ك"ديدبان" نواحي دكان حمزة، فإن تمّ رصد المصلّين وقد قفلوا راجعين من مسجد الشّعديناب "تحت" (و كان الوحيد وقتها) أشار إلينا فأخفينا الحجارة و العرّاضات و أخرجنا الجريدة نعكف على تحريرها في همّة و كأنّنا لبثنا في ذلك ساعات! و قد وقع المحظور و مرّ علينا أستاذ بدوي مرّة فرآنا منهمكين في كتابة "كلمة العدد" و تدبيج الصّور و تلوين الأعمدة .. فقال لنا إن عملنا طيّب و لكن لا ينبغي أن نترك له صلاة الجمعة! ولو علم ما نعلم لجلَدَنا في الطّابور صبيحة السّبت جزاءا على ما اقترفت إيدينا وفاقا.

بسيطةٌ كانت حياتنا و جميلة .. لم يُفسد صفوها الأتاري و البلي ستيشن و لم نقع حينها أسارى للشّاشات و الّلوحات صغرت أم كبرت .. تجمعنا الرُّوندسة و لعبة البيضة و "ليته" ويفرقنا آذان المغرب .. نقرأ "تختخ" و "رجل المستحيل" سرّاً في المذاكرة و نأكل الفول عند "حريقة" ليلاً..



مستعدٌّ لدفع أغلى ما أملك في سبيل أن تجمعني "لييته" مرة أخرى في زقاقنا بالشعديناب مع سيف دكساوي، محمد إبراهيم، محمد حسن، بكري قمر الدين، و الصادق ود الكبير .. سلام الله يغشاهم أين ما كانوا .. شلة الزمن الجميل ..

السبت، 2 أغسطس، 2014

الإنقاذ وجامعة الخرطوم: حشف. . . وسوء كيل !



كثيرون دهشوا لما تناقلته بعض الصحف فى الأيام السابقة تعليقا على خبر احتلال جامعة الخرطوم للمركز الثالث والأربعين أفريقيا فى تصنيف جامعة شنغهاى جياو تون الصينية ، وبكى أستاذنا جعفر عباس على ما آل إليه حال الجامعة فى زاويته ودعا إلى حملة لإنقاذها. .إلا أننى ، وكثيرون من طلاب وخريجى الجامعة فى حقبة الإنقاذ ، قد دهشنا لدهشة هؤلاء، بل ودهشنا أكثر لأن الجامعة - بعد كل الصفعات التى تعرضت لها من أصحاب المشروع الحضارى – ما زالت تدخل التصنيفات العالمية ، وقد كان ظننا أننا قد فارقناها منذ أمد بعيد!
لابد أن نقر إبتداءا أن التدهور  الذى أصاب الجامعة لم يبدأ فى عهد الإنقاذ ، وإنما بدأت إرهاصاته منذ الديمقراطية الثالثة ، لكن ، بينما كانت أسبابه قبل 1989 ترجع للإهمال و اللامبالاة ، ميز القصد والإستهداف المتعمد من بعض القائمين على الأمر ما حدث وما زال يحدث للجامعة بعد ذلك التاريخ. ويمكننا تلخيص العديد من مظاهر استهداف النظام وأنصاره للجامعة قديما وحديثا فى ما يلى :
الخطاب الإنقاذى الإعلامى تجاه الجامعة :
رغم أن معظم منظرى وقيادات النظام من خريجى الجامعة، إلا أن إعلام الإنقاذ قد صنف الجامعة باكرا كعدو محتمل يقف عثرة فى سبيل التمكين لدولة المشروع الحضارى ، ودأب على تهييج الغوغاء واستعدائهم عليها  ، ربما لأن الجامعة كانت أحد معاقل الوعى البارزة التى مثلت معارضة مهمة لسياسة التغييب وتكميم الأفواه التى مارسها النظام منذ إنطلاقته ، ومثلت الرئة الديمقراطية الوحيدة التى تتنفس بها البلاد وسط سياسة التهييج والهتافية التى عمت البلاد فى مطلع التسعينات ورفعت شعار (مع الرحمن أو مع الأمريكان ) وكفرت كل من وقف ضد أطروحات الإنقاذ تكفيرا سياسيا وفكريا. فمثلا :
* فى عام 1993كتب أحد منسوبى النظام فى إحدى الصحف اليومية – الإنقاذ الوطنى على ما أذكر- مقالا بعنوان (جامعة الغردون) ، هاجم فيه الجامعة واتهمها بالعلمانية والولاء للإستعمار الذى هى صنيعته وطالب بإلغائها خاصة وأنها تمثل حجر عثرة أمام تقدم المشروع الحضارى ! كان ذلك عقب المظاهرات العنيفة التى انطلقت من الجامعة فى نفس العام.
* فى إحدى حلقات برنامج فى ساحات الفداء قال مقدم البرنامج عن أحد الشهداء فى معرض الحديث عن مناقبه (ولما حالت لوائح جامعة الخرطوم بينه وبين أشواقه للجهاد تحول إلى جامعة السودان) ولا أدرى كيف ينتقد تلفزيون الدولة  لوائح جامعة مملوكة للدولة بدعوى أن لوائحها تحول بين الناس والجهاد ! وأظن أن المقصود أن جامعة الخرطوم لم توافق على البدعة المسماة ( إمتحانات المجاهدين) التى تتيح لبعض طلاب الجامعات الأخرى إمتحانات خاصة إذا  فاتهم حضور الامتحانات الأساسية أو إمتحانات البديل والملاحق المعروفة فى النظم الجامعية المتبعة فى كل مكان.
* فى حلقة أخرى من البرنامج المذكور فى أعقاب ما يسمى بإنتفاضة الرغيف أواخر1996،  والتى قادها طلاب الثانويات وجامعة الخرطوم ، تعرض معد البرنامج (لمثيرى الشغب) و (أذيال المعارضة) وعقد مقارنة بينهم وزملائهم المجاهدين الذين فارقوا مقاعد الدراسة ليوفروا الأمن لهؤلاء.وختم البرنامج بعبارة موحية :(هؤلاء الذين ذهبوا طلبا للشهادة فى الجنوب ما أسعدهم لو وجدوها فى الخرطوم) !
* تداولت الصحف اليومية فى أواخر عام 1994 خبرا يتحدث عن (جامعة حكومية عريقة تدور المشاورات هذه الأيام لتحويل إسمها لجامعة الشهيد ) ، وقد علل كاتب الخبر ذلك بالعدد الكبير من الشهداء الذين قدمتهم هذه الجامعة، ولم يكن الأمر يحتاج لذكاء كبير للتكهن بماهية هذه ( الجامعة الحكومية العريقة )، وأظن أن هذه  بالفعل كانت نية بعض متطرفى النظام ، وأن عقلاءه وقفوا ضدها ، إذ كان تطبيقها يعنى القبر الفعلى للجامعة بكل تاريخها وحاضرها ومستقبلها . 
الحصار الإقتصادى للجامعة :
حجمت السلطة من ميزانيات تمويل الجامعة بصورة واضحة ربما لصالح الجامعات الجديدة أو ربما لشئ فى نفس يعقوب ، حتى أن إنفاق الدولة على الجامعة لم يتعد فى أحيان كثيرة الفصل الأول، وقد ذكر لنا عميد سابق لكلية الطب أن ميزانية التسيير الممنوخة لجامعة الخرطوم فى أحد الأعوام تقل عن ميزاينة أحد المعاهد الجامعية العليا ! بل وقد وصل الفقر بالجامعة للحد الذى عجزت فيه عن دفع فواتير الكهرباء والإتصالات ، وما زلت أذكر ذلك اليوم فى صيف 1996 الذى قطعت فيه إدارة الكهرباء الإمداد الكهربائى عن الجامعة بسبب المديونية الضخمة. وقد أدت الحاجة المادية الملحة بإدارة الجامعة الى إتخاذ جملة من الإجراءات لتوفير المال اللازم لتسيير الجامعة التى واجهت شبح الإنهيار:
* قامت الجامعة ببيع مجموعة من ممتلكات الجامعة الإستثمارية مثل مزرعة الجامعة ( الجزء الشرقى ).
* قامت الجامعة بسن قانون القبول الخاص الذى أدخل لأول مرة المال كمعيار للإنتساب للجامعة المشهورة بدقة معاييرها الأكاديمية منذ تأسيسها ، وفتح الباب لدخول فئات أخرى غير مستوفية لشرط الكفاءة الأكاديمية تحت مسمى القبول الخاص ، مثل الدبابين وأقارب الشهداء الذين منحوا تخفيضا مقداره 7% من نسب الدخول لأى كلية .
* أدخلت الجامعة لأول مرة فى تاريخها نظام الدبلومات الذى يتيح بعض الموارد المالية ، وابتدعت بعض الكليات كورسات وبرامج تعليمية خاصة بها بالتعاون أحيانا مع بعض المؤسسات من خارج الجامعة.
* سنت الجامعة قانون جامعة الخرطوم الخاصة الذى يتيح للجامعة إنشاء كليات طب وهندسة وصيدلة موازية للموجودة حاليا ، وخاصة كليا ، وهو ما عرف حينها بالقبول الموازى ، ورغم إجازة القانون من مجلس الجامعة،إلا إن وقفة الطلاب القوية ضد القرار ، أدت إلى إلغائه بعد تدخل السيد/ على عثمان محمد طه .
هنا ، لابد أن نذكر أن تقييم جامعة شانغهاى  آنف الذكر قد إستند على عدة نقاط منها البحث العلمى الذى يعد ترفا فى جامعة تبيع أرضها ومعاييرها الأكاديمية الدقيقة من أجل تسيير نشاطها العادى ودفع فاتورة الكهرباء!
لقد أدى حصار الجامعة إقتصاديا إلى وقف البعثات العلمية الخارجية ،والرحلات الأكاديمية ، وغياب الجامعة من المؤتمرات والمحافل العالمية ، وتوقفت الدوريات والمطبوعات عن الصدور عن الجامعة أو الورود إليها لعجزها عن دفع الإشتراكات ، وتجمدت خطط ومشاريع التطوير والتحديث بل و حتى تزويد المكتبات بالمراجع والكتب الجديدة  ، وأصبح الهم الأكبر فى إيفاء نفقات التسيير اليومية ! 
التضييق على الأساتذة:
تعرض أساتذة جامعة الخرطوم من غير الموالين للنظام للتضييق فى الأرزاق ، ومصادرة الحريات والحقوق النقابية ، وكان معيار الولاء للنظام هو الأول فى تعيين قيادات الجامعة ، مما أدى لهروب عدد كبير جدا من طاقم الجامعة إلى الخارج ، بحثا عن خيار أفضل ماديا فى كثير من الأحيان ، بعد أن غدا ما تقدمه الجامعة لا يفى بالحاجات الأساسية ، أو بحثا عن مساحة من الحرية لم تتح فى ظل نظام يصر على تنفيذ أجندته الخاصة داخل الجامعة.
أدى نزيف العقول ألى تدهور فى الأداء الأكاديمى حيث إعتمدت الجامعة – خاصة فى الكليات النظرية على طاقم أكاديمى أقل خبرة وأحدث تجربة .
تشريد الطلاب ومصادرة حقوقهم النقابية :
استهلت الإنقاذ عهدها بمصادرة داخليات جامعة الخرطوم وإلغاء نظام الإعاشة مما أدى إلى تشريد الكثير من الطلاب الفقراء الذين ترك بعضهم الدراسة بسبب عدم القدرة على الإيفاء بمتطلبات الحياة اليومية.أما ما يسمى بالصندوق القومى لدعم الطلاب الذى أنشأته الدولة فقد فشل فى تقديم بديل لما كانت تقوم به عمادة الطلاب من إسكان الطلاب ورعايتهم وحل مشاكلهم ، بل وتحول إلى أداة جباية تفرض رسوما على الطلاب للسكن فى داخليات جامعتهم ، مما أدى إلى توتر العلاقة بين الطلاب والصندوق بصورة دائمة ، ساعد على ذلك مجموعة من المشرفين ضيقى الأفق والجاهلين بكيفية التعامل مع الطلاب والذين استعان بهم الصندوق لإدارة الداخليات بدلا عن مشرفى عمادة الطلاب ، كما عمدت إدارة الصندوق إلى الإستعانة بالقوة العسكرية دوما لحل مشاكلها مع الطلاب ، الشئ الذى بلغ ذروته عام 1999 عندما أدى إقتحام قوات الأمن للداخليات إلى إستشهاد محمد عبد السلام الطالب بكلية القانون آنذاك.
لقد جعلت هذه السياسة من بعض طلاب جامعة الخرطوم فى شغل دائم بأمر مصاريفهم الدراسية ومأكلهم ومرقدهم ، الشئ الذى أثر على الزمن المخصص للتحصيل الأكاديمى المتميز والإبداع الإنسانى الفريد الذى ميز دوما طلاب هذه الجامعة.فاقم من ذلك لجوء النظام ألى تعطيل إتحاد الطلاب لفترات زمنية طويلة ، إذ كانت إستراتيجية الدولة تجاه إتحاد طلاب جامعة الخرطوم تقوم على إتحاد يخضع لسيطرتها أو لا إتحاد. بنفس هذه النظرة الأنانية الضيقة عطل النظام قيام الروابط الطلابية والجمعيات الأكاديمية التى كان واثقا من عدم قدرة طلابه على الإستحواذ عليها وذلك لأكثر من ثلاثة عشر عاما.ولم يقتصر تأثير ذلك على إفتقاد الجامعة والطلاب لنشاط هذه الجمعيات والروابط الأكاديمى والثقافى المهم وتخرج أجيال عديدة من الجامعة بدون أن تحظى بهذه الأنشطة فحسب ، بل أدى أيضا إلى نشوء أجيال أخرى لا تعلم شيئا عن التراث الثر والتاريخ المشرف لهذه الكيانات ، وقد عانى الطلاب كثيرا لإعادتها إلى الحياة بعد تولى التحالف لقيادة الإتحاد، بعد أن فقدت الدساتير والوثائق وحتى الدور.
ويبدو هنا تقديم المصلحة الحزبية الضيقة على مصلحة الطلاب والجامعة واضحا ، إذ أنه ورغم أن تنظيم السلطة قد قاد الإتحاد عامى 93 و 94 ، إلا أنه تجاهل عن عمد إرجاع هذه الكيانات لعدم قدرته للسيطرة عليها كما ذكرنا آنفا.
التعريب :
جاء قرار تعريب المناهج الدراسية بالجامعات متسرعا ولم تصاحبه دراسة متأنية لما قد يؤدى إليه من آثار سالبة ولم يصاحب تنفيذه تدرج منهجى يتيح للمختصين تعيين ما يمكن تعريبه و توفير مناهج معربة مناسبة لحاجات البلاد ، بل قصد منه الكسب السياسى فى المقام الأول ، وضح ذلك فى المناهج التى قامت وزارة التعليم العالى بجلبها على عجل من بعض الدول العربية والتى اتضح عدم صلاحيتها للطالب السودانى خاصة فى العلوم الطبية والهندسية ،وفى سياسة الإرهاب التى اتبعها النظام تجاه الأساتذة الرافضين لقرار التعريب.ورغم إن مجالس بعض الكليات – ككلية الطب- قد اتخذت قرارا بعدم الإستمرار فى سياسة التعريب ،فإن طلاب الكليات التى سايرت القرار وهى معظم الكليات النظرية قد تضرروا جراء الجهل باللغة الإنجليزية اللازمة للدراسات العليا والمهمة فى سوق العمل ، ولم تجد مناهج اللغة الإنجليزية المصاحبة- والتى فرضتها إدارة الجامعة من بعد لتدارك هذا الخطأ التاريخى – فى تحسين مستوى اللغة الإنجليزية لخريجى جامعة اشتهرت دوما بالتميز فى هذا المجال.
لقد غدت الجامعة فى الأعوام السابقة كريما على موائد اللئام ، وسلبت منها مقومات البقاء والوجود ، ولولا وقفة عدد من أبنائها المخلصين من بعد عناية الله لأصبحت أثرا من بعد عين.وهى إذ تحاول الآن القيام من عثرتها ، لهى فى أشد الحاجة للمزيد من جهود أبناء اوطن ، لتعود إلى سابق ألقها  ،جميلة ومستحيلة ، قلعة للديمقراطية ومنارة للفكر.

  




الأربعاء، 2 أكتوبر، 2013

من يأكل لنا منسأة النظام؟




لو لم يكن لثورة ٢٣ سبتمبر المجيدة من فضل علينا إلا كشفها عن موت النظام لكفاها. ولأنّ الطغاة يقرأون من كتاب واحد، فقد جاءت الثورة لتُرينا في عصابة الإنقاذ ذات العلامات ممّا يقصه التاريخ دوما عن الإستبداد حين زواله وأنظمة الطغاة حين إحتضارها، وهي قصر النظر و إستمراء الكذب وبطش الخائفين.

تعمد الأنظمة الدكتاتورية حين تنتفض عليها شعوبها إلي إنكار ما يراه الجميع جلياً كضوء الشمس وتُسمّيه بغير أسمائه. يقع في إعتقاد الطّغاة كلما تطاول أمدهم في الحكم أن وجودهم فيه ليس لتقاصر همم شعوبهم وعجزها عن الإتيان بغيرهم أو لبطشهم بهذه الشعوب عند أي بادرة للحراك، وإنما لأنّهم أحقّ الناس به وأنّهم ،لا شريك لهم، من يُبدي في مصائر البلاد ويُعيد. وإنّهم إذ تصوّر لهم أذهانهم صدق هذا الخطل، يعمدون إلي تغليفه بأسماء تزين قبحه، فهو "الشرعية الثورية" حيناً و "حماية البلاد" حينا آخر أو، في حالتنا أخيراً، "عبادة"!، حتى إذا جاء أمر الله وفار تنّور الشعب وأزال عنه الغلاف، عاد إلي ما هو عليه من قبح.

الغريب أن  كلّ الطغاة يربطون أنفسهم بالوطن رباطاً لا فكاك منه، يقع في إعتقادهم أن ذهابهم يعني ذهاب الوطن، وأنّ وجودهم قمين ببقاء الوطن وطناً، وأنّه لولاهم لتخطّفنا الطير وتقاذفتنا الخطوب. يربط بين الأنظمة الدكتاتورية في كل مكان الإعتقاد الجازم بأنها الوحيدة القادرة على تولي مسؤولية الحكم، وأن جميع من سواها قاصر وعاجز. يعتقد الطاغية مع مرور الزمن أنه فقط، لا شريك له، القادر على حكم هذا الشعب المسكين الذي لولاه لإكتنفه الضياع. الغريب أن هذا الإفتراض أثبت التاريخ مرارا خطله، فالقبور والسجون مليئة بمن ظنوا أنهم لا غنى لشعوبهم عنهم، فذهبوا وبقيت الشعوب.

لقد كشفت لنا هبّة سبتمبر أن النظام -بكل جبروته وآلته الأمنية التى عكف على بنائها من قوت شعبه على مدار ربع قرن- خائف. بل أنه يرتجف رعبا. ولم أره طيلة سنين عكوفه في الحكم بهذا الإرتباك والطيش، يقابل صدور الشباب اليفّع، ممّن "لم يكن في فمهم أكثر من هتاف ولم يكن في يدهم أكثر من حجر" بالكلاش والدوشكا، ثم يكذب في تفسير ذلك كذباً أبلق.

النظام خائف لأنه قد علم أن الشعب ما عادت تخدّره شعارات الدولة الإسلامية والمشروع الحضاري والصبر على مكاره الإنقاذ لأنها تدفع فاتورة "تطبيقها لشرع الله" و "إستهدافها من أعداء الله" .. هذا الهراء لم يعد يقنع حتى منسوبي النظام فكفّوا عن ترديده. لقد عرف الشّعب النظام على حقيقته منذ أمد ليس بالقريب: عصابة ممن يكثرون عند الطمع ويقلون عند الفزع، لا يجمعهم سوى نهب هذا الشعب ومص دمائه بعد أن قذفوا بالأيدلوجيا إلي مزبلة التاريخ.

وممّا زاد رعب النظام أنه قد أيقن أن الشعب قد ودّع الجبن والإستكانة إلي غير رجعة .. هال منسوبو النظام هبّة أولئك الشباب الصغار ممن نشأوا في عهد التّيه وتصديهم لآلات القتل بصدورهم العارية، فرأى نهايته تلوح في الأفق القريب، فأراد تأجيلها بالمزيد من البطش.

ويعلم النظام أن سُمّاره قد إنفضّوا من حوله، أولئك الذين قد أتوا به وجمعتهم حوله الفكرة والتنظيم، وقدّم الكثير منهم أرواحهم في سبيله في أحراش الجنوب، بل وكانوا على إستعداد لتقديم هذه الأرواح في الخرطوم لإعتقادهم حينها أنهم إنما يحمون الفكرة في شكل الدولة وانه إنّما "من جماجمهم ترسى زواياها".
أذكر إنني كنت أشاهد حلقة من (في ساحات الفداء) إبان هبّة لطلاب جامعة الخرطوم في منتصف التسعينات، وقد عمد المخرج فيها على المقارنة بين صور للطلاب "المجاهدين" في أحراش الجنوب و" المخرّبين" في جامعة الخرطوم، وختم البرنامج بجملة ذات دلالات وإيحاءات أن "هؤلاء الذين ذهبوا طلبا للشهادة في الجنوب، ما أسعدهم لو وجدوها في الخرطوم".

النظام إذاً في هم عظيم لأنه قد علم أن أولئك الذين كانوا سيطلبون الشهادة في الخرطوم قد فارقوا فسطاطه لغير رجعة، لأنهم علموا كما علمنا أن قادتهم قد ودّعوا الفكرة منذ حين طويل، وعملوا للدنيا فاتّخذوا القصور فارهين ومن النساء مثنى وثلاث ورباع، وأن الطّريق قد أضحى ليس لمن سبق أو من صدق، بل لمن نافق وسرق.
يعلم النظام أن من بقى حوله ليس سوى مجموعة من المنتفعين، لن يجدهم عند الشدائد، يرى مآلاتهم في شواهد التاريخ القريب، في عضوية الحزب الوطني المصري "المليونية"، وجماهير اللجان الشعبية "الثائرة" و جموع الحزب الدستوري (حزب بن علي) "الهادرة". ويعلم أن النّهاية المحتومة قد إقتربت، وأن المنية قد أنشبت أظفارها ولن تنفعه حينها التمائم.

الفرق بيننا وبين جِنّة نبي الله سليمان عليه السلام أننا نعلم بأن النظام قد مات، وأن شعبنا لن يلبث بعده في العذاب المهين.


الأربعاء، 20 فبراير، 2013

ملائكة رحمة .. لا جلاوزة عذاب!

قسم أبقراط



"وأن أكون على الدوام من وسائل رحمة الله، باذلًا رعايتي الطبية للقريب والبعيد، الصالح والطالح، والصديق والعدو. وأن أثابر على طلب العلم، أسخِّره لنفع الإنسان لا لأذاه"  (القسم الطبي).
صُعقت كغيري من أطبّاء السودان أو ما بقي منهم بالخبر الذى حملته الصحافة قبل أيّام من أن أطباءاً بمستشفى الرباط قد قاموا بقطع يد ورجل متهم بجريمة قطع الطريق تنفيذاً لحد الحرابة. وقالت صحيفة (السوداني) الصادرة في 15 فبراير "الأطباء نفذوا عقوبة القطع من خلاف على مدان في جريمة حرابة، بعدإستنفاذ كافة مراحل التقاضي".
وحتى لا يختلط الأمر على الناس، فلست هنا بصدد مناقشة الحكم ووجوب تنفيذه أو ما أستند عليه من حيثيات أو قوانين، فلذاك أهله،  بل من قام بتنفيذ الحكم من زملاء ردّدوا ذات يوم " أقسم بالله العظيم أن أراقب الله في مهنتي. وأن أصون حياة الإنسان في كافة أدوارها، في كل الظروف والأحوال، باذلًا وسعي في استنقاذها من الموت والمرض والألم والقلق" ووُسموا منذ الأزل ب"بملائكة الرحمة".
ولم أكن لأتصور- بعد مرور قرابة القرن من الزمان على تأسيس أول كلية طب في السودان- أنّنا سنحتاج لتعريف واجبات الطبيب، وأنّنا سنُضّطر أن نُقّدم قسم الطبيب الذى تقدّم والذي يعلمه الأطباء بداهةً كدليلٍ بين يدي دعوانا، غير أن الخبر الذى فَزَعنا فيه بآمالنا إلي الكذب حتى لم يدع لنا صدقه أملا، ألجأنا إلي أن نعيد تقرير حقائق معروفة للعالمين، وبديهيات معلومة بالضرورة، من أن قطع الأيدي والأرجل وتنفيذ أحكام القضاء ليس من واجبات عمل الطبيب، ولا يندرج تحت صون حياة الإنسان وإستنقاذها من الألم، بل يتعداه ليصبح جريمةً في حق المهنة، خرق ممارسوها قسمهم ببذل الرعاية الطبية "للصالح والطالح والصديق والعدو"، وخانوا العلم الذى تعلموه في وضعه في غير موضعه وتسخيره في أذى الإنسان لا نفعه.
وقد تمهّلت قبل كتابة هذا المقال آملاَ أن يصدر تكذيب من مستشفى الرباط أو أطبائه، وعيل صبري في توقّع توضيح على شاكلة أن الأطباء المذكورين إنحصر دورهم في تقديم العناية الطبيّة والجراحية للرّجُل بعد أن قام الجلادون بتنفيذ الحكم، ولكن خاب ظنّي، وجاءت الأخبار تترى بأن الأطباء المذكورين قد خلعوا لباس الرحمة وإمتشقوا سيف الجلاد وقاموا بنفسهم ببتر يده ورجله. وقد تساءل زميلٌ لنا عن ما قد تفتّقت عنه أذهان هؤلاء عندما عمدوا إلي ملء خانة (الدواعي والأسباب) حين كتابة تقرير العملية، فشرحهم ذاك لا بد وسيكون سابقة في تاريخ العمليات الجراحية منذ عهود إبن سينا وأبقراط.
 وقد لا يَستعجب البعض مما حدث قياسا لما خبرناه مِن قَبْل من منسوبي النظام من الأطباء مما ظّننا وما لم نظن قدرتهم على الإتيان به. ولن إستغرب إذا علمت أن الجرّاحين الذين قاموا بتنفيذ الحكم قد هلّلوا وكّبروا في غرفة العمليات وقد وقع في ظنّهم أنهم إنّما يتقربون إلي الله زلفى ويمكنون لدولة الإسلام التي جاء بها تنظيمهم في 1989. فبإسم المشروع الحضاري والتمكين، قام بعض أطباء النظام بالإشراف على تعذيب الناس في بيوت الأشباح وبعضهم زميل مهنة ودراسة، بل وإمتشق بعضهم السلاح جندياً يسلب الناس ذات الروح التى سخّره الله للحفاظ عليها وصونها "للقريب والبعيد، الصالح والطالح، والصديق والعدو". وبإسم ذات المشروع الحضاري والولاء للتنظيم، سام بعض أطبّاء النظام زملاءهم سوء العذاب عندما تحكّموا في مفاصل الخدمة الإلزامية ووزارة الصحة وإدارات المستشفيات، فقذفوا بمن لا يحبّون ومن لم يجاري خطّهم السياسي أيام الطّلَب إلي غياهب الجنوب وأبعدوهم من فرص التعيين والإبتعاث وخصوا بها أصفياءهم المنظمين، حتى أن أصبح "الجهاد" في الجنوب ذات حين معياراً للحظو بوظيفة في مستشفى الخرطوم حين صار الرقم الوظيفي للطبيب العمومي أمنع من عقاب الجو حتى في أقاصي البلاد، فضاق الوطن على سعته على الأطباء عندما إختزله زملاؤهم "الرّساليون" في "الحزب القائد"، فقوّضوا خيامهم عن أرض يهانون بها ويمّموا مشارق الأرض ومغاربها.
أتمنى أن يطل علينا الزملاء ممّن نُسبت إليهم هذه الفعلة– وقد تناقل البعض أسماءهم-  ليدفعوا عن أنفسهم تلك التهمة الشنيعة، وإلا فليس لهم من قبيلة الأطّباء إلا العَزل والمقاطعة، فهم ليسوا مثالاً لما عليه مهنة الطب في السودان بأيّ حال، وستظل جموع الأطباء في السودان هم "الحكماء" الذين طالما عرفهم الناس، يواسون جروحهم ويزيلون آلامهم، ملائكة للرحمة ورُسل للإنسانيّة.

الثلاثاء، 23 أكتوبر، 2012

هل أصبحت كلية الطب خيار الأغبياء؟!


في صيف 2005 وبعد إنتهائي من الإمتياز والخدمة، كنت عاطلا عن العمل في إنتظار وظيفة لم تأت ومفلساً وفي غاية القرف. كتبت هذا المقال مخاطباً طلاب كلية الطب جامعة  الخرطوم وعلقته في أرجاء الكلية. أعيد نشره لأن الحال في حالو بل وأزفت.
الرجاء عند قراءة المقال مراعاة فروق الوقت !

الأطباء يتقاتلون على شباك المهية



أشُد على أياديكم
فمأساتي التي أحيا ..
نصيبي من مآسيكم !

(كلام كان يكتبه د. لؤي حيدر يومياً على سبورة قاعة أنيس أيام المذاكرة، ولم أدرك عمقه إلا مؤخراً)

دهش صديقي د. خالد طوكر عندما إكتشف أن سائق الركشة التي إستأجرها لتقل أمه من السوق الشعبي طبيب نائب إختصاصي حاصل على الجزء الأول من زمالة الكلية الملكية البريطانية لأمراض النساء والتوليدMRCOG . النائب المذكور علل لخالد عمله بالركشة لقلة الحيلة وإنعدام وظائف النواب والأطباء العموميين، ودافع عن وضعه بأنه مؤقت أملته ظروف العطالة والحاجة لجمع مال ييسر له إكمال الجزء الثاني من الزمالة ببريطانيا.

في ظل هذا الوضع الشاذ، وجلوس مئات الأطباء العموميين والنواب في قوائم الإنتظار الطويلة وتسكعهم بين شبابيك وزارة الصحة، وفي ظل الوضع المزري لممارسي الطب في هذه البلاد، يطل سؤال برأسه وما زال الكثير من طلاب الشهادة السودانية يضعون دخول كليات الطب نصب أعينهم: هل مازالت لدراسة الطب ذات البريق الأول؟ وهل مازالت أمنية الكثير من الأسر أن يتخرج أحد أبنائها طبيبا لرفع مستوى الأسرة إجتماعيا ومادياً؟

أنا شخصياً أصبحت أنظر بعين الأسى لكل الإخوة الصغار الذين مازالوا في السنين المختلفة لكليات الطب. زقد بلغ تطرفي في ذلك حداً جعلني أرثى لأي تلميذ متفوق في الأساس أو الثانوي أرى أن تفوقه ربما أودى به لدخول كلية الطب!

لماذا يدخل الإنسان كلية الطب؟
تختلف أهداف الناس من دخول هذه الكلية، إلا أننا سنحاول أن نضع إطاراً عاماً ربما شمل جل، إن لم يكن كل، هذه الأهداف:

الهدف الأول: لأن الطب مهنة إنسانية ومزاولته خدمة للوطن و و و ... إلخ من هذا الهراء الذي أصبح لا يقنع أحداً. تتلاشى كل هذه الأفكار الوردية بمجرد خروجك من عتبة هذه الكلية أو تلك لممارسة الطب الإنساني في مستشفيات السودان اللا إنسانية. يدرسوننا أنبوبة إيقاف النزف المعوي في الجراحة، ومن كثرة التكرار تظن أنها بلاشك ستكون بالدستة في جيب أي طبيب في اي مستشفى، لتكتشف أن مستشفى الخرطوم به واحدة معطوبة، وأن مستشفيات عظيمة كإبراهيم مالك وجميع مستشفيات الولايات لم تحظ بهذه المعطوبة!
تخرج لممارسة الإنسانية في محيط عمل لا يؤمن بها، ونظم إدارية وقوانين تقتل المريض الذي لا يملك ثمن حقنة أو عملية. نصف فترة الإمتياز ستقضيها (شحذة) لدواء المريض الفلاني أو لم (شير) لمريض آخر.
بالمناسبة: رغم إنني لا أحب كليات الطب الخاصة إلا أنني إكتشفت مؤخراً أنها قد تكون نعمة من الله على عباده المساكين. أ\كر، أثناء سعينا، في لجنة الأطباء والنواب لزيادة المرتبات، أننى قد داعبت زميلة من الأحفاد قائلاً: "أنتم بلا شك في غير حاجة لزيادة المرتب وأنتم قد درستم بآلاف الدولارات" فردت بلهجة تقريرية " هو المرتب لينا؟ ما لل patients  !  
مستشفياتنا الإنسانية تسرح فيها الكدائس وتعج بالفئران. قد توبخ من ال Boss أو تطرد من ال shift لأن كديسة لئيمة قد سرقت في حين غفلة منك عينة جراحية أُخذت من مريض وأُعدت لترسل لمعمل الأنسجة المريضة. وإن أنس لا أنسى منظر كديسة رأيتها تلحس بإستمتاع بصاق مريض من الطشت المجاور لسريره. ولما لم أستطع إكمال المنظر فقد أغمضت عيني وصرخت في عبدالله الجنيد أن ينهر هذه الكديسة!

حكاية كديسية أخرى: كانت لدي مريضة إجهاض في مستشفى كسلا. وجن جنوني عندما رأيت كديسة في ركن غرفة الولادة وهي منهمكة في إلتهام ما بدا لي من بعيد جنيناً آدمياً، فرحت أطاردها كالمجنون في الردهات علّي أن أستنقذ منها بقاياه، إلى أن جاءتني الداية مسرعة لتخبرني أن ما إلتهمته القطة جنينها الذى أنجبته في غرفة الولادة أسوة بالبشر وأن مريضتنا لم تجهض بعد!
وقد كان عندنا فأر مشهور في مكتب وحدة جراحة الجامعة يأكل عشاءنا ويخيف زميلاتنا ويمشي فوق وجه أحد الزملاء وهو نائم. وقد أعلنت يوماً وأنا نوبتجي بالمكتب أنه "يا أنا يا الفار" وأن لا نجوت إن نجا. فطردته أول الليل وسددت كل المنافذ ووضعت بقربي كل الأسلحة. وقد علم الجميع صبيحة اليوم التالي من عيوني المحمرة والفوضى التي تعن الغرفة أن النصر كان لل...فأر!
ذهبت إنسانية الطب مع كبار جعلوا تذركة الدخول لمريضهم مايربو عن المائة ألف جنيه، وآخرين شيدوا للطب صروحا لا تدخلها إلا بجيب ممتلئ وحساب بنكي متخم وإلا قذف بك ناس الهدف خارجاً، وآخرين جعلوا للقادرين تذكرة دخول مستعجلة تضاعف تذكرة الدخول العادية.
هَب أنك ستسمو فوق كل هذا الواقع وستمارس الإنسانية، كيف وانت ملطوع في كشف الإمتياز شهوراً عدداً؟ كيف وأنت ضمن مجموعة كبيرة من النواب والأطباء العموميين ممن هرموا في إنتظار الوظائف؟

س: ماهي أكبر المنظمات الطبية في السودان من حيث العضوية والإنتشار الجغرافي في كل الولايات؟
ج: لا تفكر كثيراً، هي بالطبع منظمة: أطباء بلا نقود!

الهدف الثاني: دخول كلية الطب لتحقيق ذاتيتك وطموحك الشخصي لأنها أعلى الكليات في السودان، وهذا في رأيي هدف معقول، لولا إنه لا ينطبق إلا على هذه الكلية (الخرطوم) دون غيرها من كليات الطب الأخرى. ثم إن كلية الهندسة الكهربية قد أخذت منا هذا الشرف مؤخراً!

الهدف الثالث: أن تفتخر بأك قد درست في كلية خرجت كل هؤلاء العمالقة من أمثال بروفسير داؤود وبروفيسر التجاني الماحي وغيرهم من النجوم التي أضاءت سماء هذه البلاد. وهذا للأسف لا ينطبق إلا على هذه الكلية وإلى حد كبير كليتّي طب الجزيرة وجوبا, هذا ايضاً هدف ممتاز، ولكن هل هو كافي لتجلب على نفسك كل هذه التعاسة المرتبطة بالعمل كطبيب في السودان؟

الهدف الرابع: أن تطمح لأن تتتلمذ على أيدي أميز صفوة أكاديمية في السودان من أساتذتنا الأجلاء، وهذا أيضاً لا ينطبق إلا على هذه الكلية والكليات القديمة وربما بعض الكليات العاصمية، فبعض كليات الطب الأخرى لا يرى طلابها أسماء عملاقة مثل بروفيسر نصرالدين وبروفيسر سكر إلا في غلاف ال Concise، ولا يسمعون صوت عمالقة آخرين مثل بروفيسر الضو مختار وبروفيسر الكدرو إلا من خلال، طيب الذكر، برنامج صحة وعافية.

الهدف الخامس: أن تنضم إلى صفوة الطلاب المميّزين أكاديمياً: Cream of the cream الذين يدرسون الطب، وما أبأسه من هدف!! كان هذا زمااان في عهود ما قبل (الفتح!). في السودات الآن 26 كلية طب عاملة وثلاثة قيد (الفتح!)، وهو ما يساوي 25% من كليات الطب في العالم العربي.
بالمناسبة: عدد كليات الطب في بريطانيا العظمى (إنجلترا+ويلز+سكوتلندا+إيرلندا) = 27 كلية طب
شبه القارة الأسترالية: 10 كليات
كندا: 16 كلية. أي أننا، أخيراً، قد تفوقنا على دول الإستكبار!
وينتفي هذا الهدف تماماً إذا علمنا أن كليات الطب الخاصة تتساهل كثيراً في نسب القبول، ولا يهم ما تنتجه في النهاية، بسكويتاً كان أم طبيباً! فالحكاية كلها إستثمار، وليس من مشكلة ما دامت الدولارات تأتي كل عام!
هل تعلم أن بعض زملائنا المستقبليين في ممارسة المهنة يدرسون الطب بالسودان بنسبة دخول معلنة 50%؟ وما خفى كان أعظم!

أظن كفاية!

تعازي أخشى ألا تخدعكم:
قال الشافعي: العلم علمان، علم الفقه للأديان وعلم الطب للأبدان وما وراء ذلك بلغة مجلس.

قال شاعر: قل لمن بصروف الدهر عيّرنا            هل عاند الدهر ألا من له خطر
              ألم تر البحر تعلو فوقه جيف             وتستقر بأقصى قعره الدرر
           وفي السماء نجوم غير ذي عدد            وليس يخسف إلا الشمس والقمر

أخيراً: هي محاولة للسخرية من واقع بائس، أعذروني إن قسوت عليكم قليلاً!