الثلاثاء، 25 أغسطس، 2015

حسن إسماعيل: الصعود إلى أسفل


لم أكتب مقالاً و أنا أتجرع هذا القدر من المرارة منذ هبّة سبتمبر و مجزرة شبابها الغض. مدهشٌ كيف أن خبراً صغيراً كتعيين وزير في حكومة ولائية يمكن أن يقذف بك بسرعة في سحابة من الحزن و اليأس.
لم يكن حسن إسماعيل أول معارض يلتحق بالإنقاذ و لن يكون آخرهم .. لكن الوجع الذي رافق فجيعتنا في حسن يتجاوز شخص حسن نفسه ليضعنا وجها لوجه أمام ما كنّا ندفن رؤسنا منه زمناً طويلاً ..ذلك أن أزمة المبادئ و الأخلاق ليست حكراً على سياسيّي النظام .. وأنّ الحاكمين و المعارضين هم على حد سواء في الإنتهازية واللا مبدئية و التشدّق بالشعارات قولاً و النأي عنها في الأفعال. إستوزار حسن سطّر فصلاً جديدا في فصول خيبتنا و يأسنا من بديل صالح و أملنا في من يخلّصنا من غيابت ما نحن فيه من جُب.
ما حدث لحسن إسماعيل دلالة على أنّنا لبثنا زمنا نحرث في البحر .. و أنّه ليس لدينا ما نعوّل عليه أو من نعوّل عليه، و أنه ليس ثمة أي ضوء في آخر نفقنا الطويل و ما من نهاية لليلنا الحالك.
ما يجعل إستوزار حسن و إلتحاقه أخيرا "بالمسيرة القاصدة" أكثر ألماً دون غيره من المعارضين ممّن باعوا أنفسهم للإنقاذ أن حسناً "واحد منّنا" .. هو من ذات الجيل الذي شكّل وجدانه ضد النظام بطش كيزان التسعينات و عبثهم في جامعة الخرطوم وغيرها .. و كان حضورا لإستشهاد محمّد عبد السلام و إحداث أخرى جسام. . لم يكن حسن حينها متفرجاً بل قائداً للصفوف، عرفناه خطيباً مفوهاً و معارضاً شرساً أنفقنا زمناً في سماع خطبه و خرجنا على إثر بعضها للشارع نشاركه الهتاف ضد من يشاركهم الآن الموائد .. كان معنا في الكافتريا و الداخلية و المظاهرة، و ساعة تبدأ الأركان و ساعة السمر بالليل.
ما حدث لحسن يجعلنا نتساءل من منّا محصن  .. و من التالي .. و هل من مناعة بقيت للمعارضين تمنعهم من اللحاق بالرّكب إذا كان من سد علينا السكك بالشعارت و ملأ علينا الفضاء بالخطب قد إنتهى إلي هذا المصير؟
 سقوط حسن ينسف ثقتنا بالجميع .. فهل كلّ معارضتنا وسيلة لمثل ما أدركه حسن؟ و هل في كلّ معارض منا حسن مستتر ينتظر إهتبال أول فرصة؟
تقرأ ما خطّه حسن لحين قريب فلا تصدّق لما إنتهى عليه .. تسمع خطبته في سرادق الشهيد صلاح سنهوري فتستعجب في قدرة الإنسان على التحوّل هكذا من نقيض لطرفه قبل أن يرتد إليه طرفه ..
لا أدري ما هو الحكم المحلي الذى أستوزر فيه حسن، لكنّي على يقين أنه لن يكون سوى خشخيشة أخرى في يد النظام سيقذف بها بعيداً بعد نفاذ أغراضها، و التي من أولها ضرب مصداقية المعارضين و بيان إنتهازية من كان يعد من أشرسهم .. فلا أظن أنّ إختيار حسن تحديداً قد تم إلا لهذا الغرض.
 الغريب أن حسن كرّر نفس أسطوانة من سبقه من معارضين ممن إلتحقوا بالرّكب قائلا أنه سيستغل موقعه -كوزير منسي في وزراة منسية- "لنصح" النّظام! فليبشر النظام إذاً بطول خطل منهجه و فساده و إستبداده.
محبط أنا و يائس .. و حزين لأسر شهداء سبتمبر الّذين رأوا من صدح "بكلمة الحق" قبل زمن قريب في سرادق أبنائهم -لا يخشى فيها لومة لائم- و قد أصبح في زمرة قاتليهم.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 

هناك تعليقان (2):

  1. حسن هين يا عزان.. بكت عبد الخالق على قادة الخريجين في الاربعينات كونهم طلبوا مقاومة الاستعمار بغير ادراك لطبيعته. الحال اليوم من بعضه فالمعارضة للحكومة محض زهج أو تذمر بغير نظر.. كيف حالك... ؟ خلينا نتكلم متى تيسر

    مجد الدين

    ردحذف
    الردود
    1. مجدي يا حبيب .. سعيد و الله بمشاركتك ..مشتاقين ياخي .. وين أراضيك؟
      الرجاء التواصل
      ezzankunna@gmail.com

      حذف

ملحوظة: يمكن لأعضاء المدونة فقط إرسال تعليق.