الثلاثاء، 25 سبتمبر 2012

أولاد شلتنا (6) - خالد صديق




زهاء ثلاث سنوات مضين بعد آخر "ولد شلتنا"، وها نحن من جديد نبدأ من حيث إنتهى بنا الحديث، خالد صديق، خالد نيالا سابقا..
وقد كنت قد عزمت على أن أقُل في خالد ما قاله وما لم يقله مالك في الخمر وأن "أدّيلو بالحتة الفيها الحديدة" لكنّي نكصت عن عزمي طمعاً لا خوفاً، فخالد قد "تبوّأ" الآن منصباً كبيرا في اليونسيف، ولما كانت الأخيرة من المنظمات التي يتوق من هم على شاكلتنا من ناس الكمونيّة للعمل بها فلم يكن من الحكمة إذا ألّا "أقدم السبت" طمعاً في "أحد" خالد!
الطريف أن خالداً نفسه قد ذكّرني أن "القصة دي واقفة فوقو" وأن من الأفضل لراؤول، الذى كان قد ذكر حتة "لغاويسه" في جلسة جمعتنا قبل شهرين بالخرطوم، أن يتجنب تذكيري بها خشية أن يقع المحظور وأتملّك – كالجيش السوداني- زمام المبادرة من جديد!
 عرفنا خالد منذ السنة الأولى، وإن شئت الدقة فلتقل أنه لم يكن لدينا خيار سوى أن نعرف خالد! فقد كان خالد سياسياً ناشطاً منذ بواكير حياته في المدرسة الثانوية، ولعل خالد من القلائل ممن جاءوا إلي الجامعة برؤية واضحة ومسار محدد، عكس الكثيرين ممن بحثوا عن ملاذات فكرية وسياسية بعد إحتكاكهم بالجو السياسي في الجامعة، فمنهم من وجد بغيته ومنهم ومن ينتظر..
جئنا إلى الجامعة وقد وقع معظمنا أسيراً "للبروباقندا" الإنقاذية التى جعلت من الحزب الشيوعي منظمة أقرب للمافيا ومن الشيوعيين كائنات سافكة للدماء وآكلة للبشر. نجح خالد وشباب الجبهة الديمقراطية الآخرين من أولاد دفعتنا في عكس صورة مشرقة للشيوعي وأحبّهم الجميع بمختلف إنتماءاتهم السياسية والدينية. وربما ذلك يرجع لأن المنتمين للجبهة الديمقراطية في دفعتنا كانوا من صفوة القوم، وكنا محظوظين بوجود شباب مثلهم زي الورد، تجدهم في السراء والضراء ويسندون قفاك حين الملمّات.  
والغريب أن خالداً، رغم شخصيته المرحة وعلاقاته الإجتماعية اللامحدودة، قد نجح في إحاطة إنتمائه للجبهة الديمقراطية بكثير من السريّة، فحتى الآن لا نعرف على وجه الدقة نحن ما كان يفعله خالد في الجبهة الديمقراطية، فنحن نعلم مثلا أن الشيخ كان كادراً خطابياً مفوهاً لا يشق له غبار، و لابد أن سيف كان مسؤولا عن الجريدة (غالباً معاهو ميادة، أمسك الخشب، هذه أسرار تنشر لأول مرة!)، أما خالد فلا أعتقد أنه كان "كادر عنف" –إن وجد هذا المسمّى- مثلاً!
يحفظ  لخالد أنّه كان حريصاً على تطبيق الفكر التقدمي وتوجيهات التنظيم حتى على مستوى حياته الخاصة، كان شخصي شاهداً على حادثة طريفة.. فقد كنا متحلّقين في مدخل كافتريا طب ومعنا خالد، فإذا بأحد الكيزان المشهورين (ووجه شهرته أنه كان "بيحوم" بالكاكي في الجامعة) وقد يمم صوب شلّتنا ماداً يده بالسلام، فحدجه خالد بنظرة نارية أربكته فسحب يده المدودة بالسلام وولّى هاربا صوب دكان أمين ولم يعقب! كان ذلك في أوج تداعيات إستشهاد محمد عبدالسلام والمقاطعة الإجتماعية للكيزان والتي أجزم بأن خالد كان دقيقاً لأبعد الحدود في تطبيقها!
الحادثة الثانية كانت أيام أن شكّل بعض أبناء الجنوب عصابات صغيرة جابت الأزقّة المجاورة لكمبوني وبنك الخرطوم، إتخذت هذه العصابات أسلوب نهب واحد: يحتك بك أحد أفرادها ويختلق مشكلة من العدم، فيهرع بقية أفراد العصابة ويتحلقوا حولك مُرغين ومزبدين، وبعد أن ينجلي الموقف تكتشف فقدان جزلانك والموبايل. وقد (إتزنق) صديقنا شريف ذات ليلة مع مجموعة من هؤلاء قبالة بنك الخرطوم، أحاطوا به إحاطة السوار بالمعصم وضاقت عليه الأرض بما رحبت. لكن شريف إتّبع إستراتيجية ناجعة، فأثناء إحتداد النقاش إتخذ هو وضعا قتالياً أوهم مهاجميه أنه سيقاتل فإبتعدوا قليلا ليستعدوا للموقف الجديد ويتحرّفوا للقتال، فانتهز هو الفرصة وأطلق ساقيه للريح تجاه حسيب والرازي!
المهم أن خالد ومجموعة من الصحاب كانوا سائرين ليلا قرب ملاعب كمبوني فاصطدم أحدهم بخالد و إتهم خالد بأنه قد صدمه متعمداً. وأثناء النقاش بدرت من المهاجم كلمة بمعنى أن خالد قد صدمه من باب "حقارة أولاد العرب" فأضاف بذلك "بعداً جديداً للصراع"!
أخبرني الصحاب أن خالد بعد ذلك نسي الموضوع برمته ومسك في الحتة الأخيرة دي، وما فتئ (ينقنق) من مكانهم ذاك حتى وصولهم مكان المواصلات أن كيف يتهمه هذا بهكذا تهمة وهو قد أنفق عمره منافحاً عن مبادئ تقف ضد هذه السلوكيات وصائناً لها.
ورغم إنّ خالد يعطيك الإحساس أحياناً بأنه (ما جادّي) إلا إنه على النقيض تماما، فقد أفلح في رسم مسار محدّد لحياته نجح في إنجازه وما زال، في وقت ما زال فيه كثير من رفقائنا يتلمسون خطاهم الأكاديمية والحياتية. فخالد لا يضع السيف في موضع الندى أبدا،ً وللحلم عنده أوقاتاً وللهظار والشلة مثلها، لذا كان خالد أوّل من بدأ التخصص من شلتنا وأول من إقتنى حديدة (وقد كانت فعلا حديدة!)  في الإمتياز وأوّل من تزوج وكون أسرة. ولنا مع حديدة خالد الأولى تلك ذكريات طريفة، منها قصة إكتشفت منها أن لخالد حصيلة لا بأس بها من الأحاديث الشريفة! ذلك أن خالد كان مبتدءاً في السواقة وكنا معه في مشوار ما في شارع محمد نجيب، فمر من أمامه مشاة وطلبوا منه الإنتظار لحظة ريثما يقطع آخرهم الشارع، فتوقف خالد بعد لأي وجهد (لعاملين: "كعكعة" العربية، و"كعكعة" سواقة خالد)، فنظر إليهم شذراً وقال "والله لوتعلمون ما أعلم"!
وقد كان خالد أول من يمم شطر الكميونيتي من دفعتنا، وكما ذكرت في (في تقريظ الكمونية وناسها) فإنّنا تمنينا دوما أن تُعَز الكمونيّة بأحد الخالدين الشيوعيين: خالد صديق أو خالد طوكر. وكنت دائما أقول أن الكميونيتي من أفرع الطب التى لا يصلح فيها ولا يبرز إلا أناس بكاريزما معينة، وأنّ وجود جيل جديد من الأطباء المؤمنين بها العالمين بعلومها والمكرسين وقتهم وجهدهم  لها كخالد صديق قمين برفعها من وهدتها في السودان.  
وقد يمّم خالد شطر الجامعة الأمريكية في بيروت ومكث عامين أو زهاؤهما ينهل من علوم الكميونيتي برفقة الماء والخضرة وغيرهما! وكما ذكرت من قبل، فلمّا كان خالد الأسمر الوحيد في الجامعة فقد خشينا أن يجعل ذلك منه محطاً لأنظار الصبايا! ولعل ذلك قد كان حتى أنقذه الشيخ- الأسمر والسنقل في آن!
 وأيّام لبنان نصبت لخالد مقلبا ًمحكماً أفلت منه بنجاح منقطع النظير. فقد طلبت من إحدى زميلاتنا اللبنانيات (أيّام أمريكا) أن تتصل بخالد في لبنان:
زميلتنا: هلا خاااالد إيش لووو ونك
خالد في الإسبيكر: أهلاً (بكون كان مطيّر عيونو في اللحظة ديك)
زميلتنا: معك ريتّا. مالك ماعام تظهر، إشتئنالك!
خالد: أو.. أو؟ (صوت إستفهامي يصدر من الحلق)
زمليتنا: الشلة الليلة حيتلاؤو، حنشووووفاااااك؟
خالد: آآآ؟ (صوت إستنكاري يصدر من الحلق .. أيضاً)
المفيد أن خالد لم ينبس ببنت شفة طيلة الحوار، ولكني على يقين أنه لم يستشف أن وراء المكالمة مقلباً ما فالبنية كانت بارعة في التمثيل ، ولعله أراد أن يشوف "نهاية البت دي شنو"!
وكما تقدم، خالد الآن زول كبير في اليونسيف، كسرنا له من التلج في هذا المقال ما شاء الله لنا أن نكسر، عسى أن يرمقنا "بالعين الخالية من التنشين" –التعبير لعبدالله الجنيد-  ويشملنا بعطفه! وهو كذلك أبو ريل والتي ورثت جبهة خالد صديق المميزة، وسمرة (دبورتين يعني)، ومازال يخصص وقتاً للشلة،  فأمسياتنا لا تسقيم إن لم تبدأ بسلام خالد المميز (والذي لا ينصح به أطباء السلسلة الفقرية) وونسته العذبة.


الجمعة، 27 يوليو 2012

غرب دارفور: بطلان خرافة "لا بديل للإنقاذ"

حيدر جلو كما وأحمد إسحق



تذكرني الإنقاذ في إستمرائها كذبتها البلقاء أن "لا بديل لها إلا الفوضى" بأشعب عندما أراد شغل الصبيان عنه ببعثهم إلى مكان وليمة زعمه، وعندما إنطلق أولئك إلي المكان الذى وصفه صدق كذبته فلحق بهم فلم يجد شيئا !
جعلت الإنقاذ من همّ البديل بعبعا ما زالت تخوف به الناس ممن جربوا بؤس الأحزاب حاكمة كانت أو معارضة، وكأن البلد قد عقمت أن تنجب غيرها والأحزاب التقليدية والسياسيين المعروفين ممن خاب رجاؤنا فيهم.
 ولأن كل الطغاة يربطون أنفسهم بالوطن رباطا لا فكاك منه، يقع في إعتقادهم أن ذهابهم يعني ذهاب الوطن، وأن وجودهم قمين ببقاء الوطن وطنا، وأنه لولاهم لتخطفنا الطير وتقاذفتنا الخطوب. يربط بين الأنظمة الدكتاتورية في كل مكان الإعتقاد الجازم بأنها الوحيدة القادرة على تولي مسؤولية الحكم، وأن جميع من سواها قاصر وعاجز. يعتقد الطاغية مع مرور الزمن أنه فقط، لا شريك له، القادر على حكم هذا الشعب المسكين الذي لولاه لإكتنفه الضياع. الغريب أن هذا الإفتراض أثبت التاريخ مرارا خطله، فالقبور والسجون مليئة بمن ظنوا أنهم لا غنى لشعوبهم عنهم، فذهبوا وبقيت الشعوب.
وينسى البعض منا ممن تقاعس عن طلب الفكاك من فساد الكيزان وبطشهم مخافة البديل المجهول، أن العديد من القوى الجديدة ذات الرؤى والخطابات المختلفة قد نشأت أو قوي عودها في زمن التيه الإنقاذي.
هذه القوى، ونتيجة لسيطرة الإنقاذ على مفاصل الدولة لربع قرن، لم توضع أفكارها وأجنداتها في الإختبار، ولم يجرب الشعب ما قد تقدمه عناصرها من تجربة مختلفة و (طريق ثالث) في الحكم، بعيدا عن تعس الإنقاذ وخيبة رجاء الأحزاب.
وبطبيعة الحال لا تألو الإنقاذ جهدا في إبقاء هذه القوى بعيدا عن تجربة الحكم والإدارة، ليقينها بفشل تجربتها الذريع والبائن، ولعلمها بقدرة غيرها على تقديم أفكار جديدة وخطاب مختلف وربما حكم رشيد وجيل جديد من الساسة الوطنيين الملتزمين، إلا أن تضطر لذلك إضطرارا للإستيفاء بمستحقات إتفاقيات السلام كما بعد نيفاشا.
ورغم إن الحركة الشعبية قد إستطاعت آنذاك أن تدفع بمجموعة من كوادرها إلى مواقع الحكم المختلفة كان يرجى منها الكثير، بل وإستطاع بعضهم تقديم نمط مختلف وواعد في الإدارة والحكم، إلا أن الإنقاذ لم تدخر وسعا لإفشال هذه التجربة إما بإستمالة كوادر الحركة لصفها أو بوضع العراقيل أمامهم وسلب إختصاصاتهم التنفيذية ليكونوا مجرد ديكور .. ويقف وزير الصحة الأسبق عبدالله تية خير مثال على هذا السلوك.
وجدير بالإهتمام تجربة حركة التحرير والعدالة في ولاية غرب دارفور، فقد أثبتت الحركة بما لا يدع مجالا للشك أن هناك من بنى السودان، سواءا ممن لا زالوا يجالدون الإنقاذ داخله أو ممن تفرقوا في أصقاع الأرض المختلفة، من هو أهل للحكم والإدارة، وممن يملك القدرة والعلم والكاريزما والوطنية والإلتزام ليقدم تجربة  جديدة بعيدا عن شنشنة الإحزاب التي نعرفها وسوء الإنقاذ الذي نعانيه.
قدمت الحركة، عبر محاصصة سياسية لإستيفاء إتفاق الدوحة، مجموعة من الكوادر السياسية غير المألوفة نسبيا لأذن المتلقي السياسي السوداني، لمراكز حكومية مختلفة، غير إن ما أثار إهتمامي أكثر هو تجربتها في الحكم في ولاية غرب دارفور نظرا لحصولها هناك على منصب الوالي وبعض الوزارات الأخرى.
ورغم إن تجربة عناصر التحرير والعدالة قصيرة جدا في تولي مقاليد الأمور بولاية غرب دارفور، ورغم إن الإنقاذ مارست ديدنها في وضع العراقيل أمامها إما عن طريق عناصرها أو عن طريق حجب أو إنقاص ميزانيات التسيير من المركز، إلا أن مسؤولي الحركة إستطاعوا تقديم خطاب مختلف وصادق وشفاف، بعيدا عن النفاق الذى ألفه الناس من الإنقاذ طيلة ربع قرن، وعن الوعود الكاذبة التى ما فتر سياسيو الإنقاذ عن إطلاقها. خطاب تلمس منه أن مطلقيه ذوي إلتزام لا محدود تجاه شعبهم، وأنهم أسياد قرارهم وأفكارهم لا يخافون لومة لائم إن لم تتماهى مع ما يريد المؤتمر الوطني.
والي الولاية مثلا، حيدر قلو كما، شاب ثلاثيني من جيلنا، مثقف وذو كاريزما لا تخطئها العين. ملتزم تماما تجاه شعب ولايته وقضاياه. أكاد أجزم بقدرته على صنع تغيير واضح إن إمتلك الأدوات وصبرت الإنقاذ عليه.
أما وزير الصحة، السيد أحمد إسحق، فمثال للمهني السوداني المؤهل علما وتجربة، فقد جاء للوزارة بعد حياة مهنية طويلة في مفوضية الإمم المتحدة للاجئين، وربما هو وزير الصحة الوحيد في السودان المؤهل علميا وعمليا للمنصب والذي تلمس منه إلتزاما سياسيا ووعيا فائقا بقضايا الصحة.
ما أريد قوله، أنه سواء نجحت تجربة التحرير والعدالة في غرب دارفور، فشلت أو أفشلت، فهي دليل واضح أن حواءنا السودانية لم تعقم أن تلد غير الكيزان وممن هرم من قادة الأحزاب في إنتظار اللحظة التاريخية، وأن هناك من أمثال عناصر التحرير والعدالة من أبناء السودان الوطنيين والملتزمين كثر، منظمين أو غير منظمين، في العدل والمساواة (كزعيمها الذي يجبرك على إحترامه، الدكتور جبريل)، وفي غيرها من الحركات والمنظمات المدنية والأحزاب والقوى الحديثة كحركة حق والحزب الليبرالي بل وشباب شرارة وقرفنا والتغيير. أناس قادرون على صنع فارق كبير إن هم أعطوا الفرصة، وإن ما تهددنا به الإنقاذ من ويل وثبور إن هي ذهبت أو أذهبت لهو محض هراء.
 ستذهب الإنقاذ طال الزمن أو قصر، وسيثبت السودانيون أنهم قادرون على تقديم نفر من أنفسهم ينشلون هذه الأمة من وهدتها الطويلة ومن غياهب جبها، أناس لم تترهل بطونهم من أكل مال الشعب، ولم تسود صحائف أعمالهم من سوء ولايتهم عليه.
 قد إستبان الضوء في آخر هذا النفق الطويل، ومن مشى علي الدرب وصل.   

الجمعة، 22 يونيو 2012

وحسب (البطاقة) أن تكون أمانيا !




مدهش كيف أنه- عندما تكون في السودان- تتقازم أحلامك أحيانا لتبلغ حدا لا يتسق و الكلمة نفسها، وتنحصر تطلعاتك جميعا في قضاء أمر ما يعده الناس من توافه الأمور أو في الحصول على غرض ما ربما عددته أنت نفسك في ظرف غير ذات الظرف من سقط المتاع.
طيلة الأسبوعين المنصرمين إنحصر همي وتدنت تطلعاتي وأشواقي – زي ما بقولو الكيزان- في إستخراج بطاقة شخصية. على أمل إمتلاكها نمت وصحوت، علمت وعملت من القول والعمل ما لم أعلم من قبلها وما لم أعمل، وداعبني طيف خيال ذلك المستطيل البلاستيكي في أحلامي يقظة ومناما!
ذلك أنني، بفضل الله، قد فارقت الحكومة فراق غير وامق، و"رقوني" فصرت باشكاتب في إحدي المنطمات بمدينة بالغرب الأقصى، وقد إستتبع ذاك بطبيعة الحال "زيادة الراتب". وهنا مربط الفرس. الراتب لا ينزل إلا في بنك معين، وناس البنك المعين هؤلاء بلغ من "عكلتتهم" أن  نظروا في أوراق السودانيين الثبوتية جميعا فلم يختاروا شرطا لفتح الحساب إلا الشئ الوحيد الذي لا أملكه: البطاقة الشخصية. صورت الجواز فلم يجيزوني، دفعت برخصتي فأرخصوها، وأعلنوها واضحة: البطاقة الشخصية أو حالة الفلس الأبدية. وهنا بدأت حجوة أم ضبيبينة.
لكي أستخرج البطاقة لا بد من الرقم الوطني. وكنت قد قدمت لإستخراج الأخير في يناير الفائت بدار الأطباء. ومنذ ذلك الحين قعدنا ننتظر اللجنة الموقرة القادمة من السجل المدني لإستخراج الرقم الوطني للأطباء وأسرهم. المهم، بعد إنتظار دام ستة أشهر فقط حضرت اللجنة وبقيت ثلاثة أيام بالدار وكنت من المحظوظين الذين تحصلوا علي الرقم الوطني يوم 11 يونيو، ولما كانت طائرتي لغرب السودان تقلع اليوم التالي فقد قررت إستخراج البطاقة هناك، ولو كنت أعلم الغيب لما مسني السوء!
بخطى واثقة دخلت على المقدم بمبنى الجوازات وأخبرته عن رغبتي في إستخراج بطاقة مشفعا ذلك بأوراقي الثبوتية. ضحك المقدم ومن معه حتى شككت أنني قد ألقيت نكته فاتني أنا الوحيد مغزاها.
"يا دكتور لينا شهرين ما طلعنا بطاقة لي زول. طبعا الكهرباء بتاعة الحكومة هنا بتجي من 7 مساءا ل7 صباحا، وجنريترنا خسران ليهو شهرين".
طيب والحل؟
 "والله لو عندك سفرة غادي-قاصد الخرطوم-أحسن تتطلعها هناك".
ولا يفوت على "فطنة القارئ" أن بطاقة مافي = ماهية مافي.
بعد أسبوع قررت القيام بزيارة أخرى للجوازات من باب إلقاء السلام وتحصيل الحاصل، لكن يبدو أنني كنت محظوظا. في ذلك اليوم بالذات شعر الجماعة بالخجل وقرروا البدء بإستخراج البطاقات. لا تكن متفائلا فتظن أن الكهرباء الحكومية إتصلحت أو أن الجنريتر إشتغل. العسكرية تصرف طبعا، ورغم أن هذا التصرف-إنتداب عسكري لإصدار بطاقات بعد السابعة مساء- جاء متأخرا إلا إنه وفي ذلك الظرف كانت "كتير منهم". كان علي أن أهرع لأكمل أوراقي لأدرك العدد المحدد، ثلاثين شخص لا غير.
شهادة السكن؟ الزول في الفطور بيجي الساعة إطناشر ونص. نصور بطاقة الشاهد؟ الكهرباء قاطعة أمشو لفلان داك عندو جنريتر. قضيت سحابة اليوم في إكمال الأوراق ولكني كنت محظوظا فحصلت الثلاثين- أسميتهم فيما بعد الثلاثين المبشرين بالبطاقة- ولكن يبدو أن حظي كمل "جت" عند تلك النقطة بالذات.   
حضرت في تمام السادسة والنصف مساءا وقد بدأت أحلم بالماهية وقسمتها شرقا وغربا. قابلت خلقا كثيرا إهترأت فوائل بعضهم من القدم ونعال آخرين من المساسقة من أجل البطاقة. صدقت الحكومة وعدها فجاءت الكهرباء في تمام السابعة ولم يصدق العسكري فجاء بعدها بربع ساعة وأنفق ثلاث ارباع ساعة أخرى "يعافر" في الأجهزة وسلوك ووصلات لا أول لها ولا آخر.
عند الثامنة كان هناك شخصين فقط من الثلاثين المبشرين قد تم تصويرهم. في الثامنة والنصف هب شوية همبريب فوقع في روع ناس الكهرباء أن المطرة جاية فقطعوها شر قطعة. لم يصدق العسكري فطلب منا الحضور في السابعة من مساء الغد.
المحظوظون ممن إستلموا بطاقات في ذلك اليوم قابلهم الحضور بالتهليل والتصفيق ورفعوا هم البطاقات عاليا ككأس العالم وطلب بعض المنتظرين لمس البطاقات للتبرك وأظن أن بعضهم قام بشمها.
تاني يوم؟ الحمدلله، وجدنا الكهرباء، وتكرم العسكري فجاء مبكرا، لكن ... الشبكة قطعت.
تالت يوم؟ جاءت الكهرباء في السابعة، لم تصب الأمطار، وتم إصلاح عطب الشبكة. جنابو حسن، الوحيد البيعرف للهندسة النووية دي، إتضح إنو أمبارح كان سادي خدمة والليلة في الراحة.
قلت للجماعة المنتظرين لمن "نقنقت" وطلب مني أحدهم الصبر، أن "كوتة" الصبر التي تمنح للسوداني "بتكمل" في زمن ما وهو بعد في المرحلة الإبتدائية. علينا أن نكمل ما بقي من عمرنا من بعد كيفما إتفق.
المهم، اليوم إستخرجت البطاقة. إستقبلني المنتظرين بالتهاني وصافحني جمع غفير وأصر عدد كبير منهم علي لمس البطاقة بأيديهم وبأيمانهم. طفقت أنا كل حين وآخر، وأنا في طريق العودة، على إستخراج البطاقة وتحسسها لأتأكد إنها حقيقية وموجودة وملموسة ومشمومة. يمكن لي الآن أن أتطلع للمستقبل العريض وأخطط للزواج والدكتوراة وباقي أحلامي المؤجلة في سبيل .. بطاقة.
دوما ما يختلط عند شعوب العالم الثالث ممن أذلتها الدكتاتوريات ما هو من حق المواطن واجب على الدولة توفيره وماهو رفاهية تمنها عليه أعطته أو منعته. يفرح عندنا الناس بمقعد في المواصلات بعد طول إنتظار أو مدافسه وتلهج ألسنتهم بالشكر عند عودة الكهرباء أو سريان الماء أنصاص الليالي بدفرة الموتور. خذ مثلا تدافع الأطباء قبل أسابيع للحصول على مرتباتهم حتى كاد يقتل بعضهم بعضا على شبابيك الوزارة، والغبطة الشديدة التى أصابت من"فاز" منهم بإحدى الحسنيين المرتب أو منحة الرئيس، وكأن المرتب هو منة تتفضل بها عليهم الدولة وليس حق لهم عليها يكون من أوجب واجباتها إيصاله إليهم لا إيصالهم إليه.
بقيت الإتقاذ طويلا لا لأنها قوية ولا لأن المعارضة خائبة الرجاء. بقيت لأنها إستطاعت إختزال أحلام الناس وآمالهم في رغيف خبز وحق مواصلات ورسوم المدارس. نجحت بقدرة قادر في جعل الشعب يلهج بشكرها إن هي قدمت عشر ما له عليها من حقوق في مقابل أخذها كل ما عليه من واجبات، وفي تحويل أساسيات الحياة المتفق عليها بين شعوب الأرض إلى عناصر رفاهية تحسد الشعب عليها وتمن عليه إن حصل على بعض منها. سينتظر الناس طويلا لتشغر في خزائن أحلامهم الملأى بالرغيف واللبن والماهية أماكن لمفاهيم  مثل "الحرية" والديمقراطية".  عندها فقط سنلحق بالربيع العربي. 

الاثنين، 4 يونيو 2012

لا يخافك ولا يرحمنا


بعد زهاء خمس سنوات قضيتها خارج البلاد لا أجد مثلا أصف به ما وجدت عليه حال حكومتنا مذ أن تركتها أوفق من "الحمير في طينو"، وتقرأ "الحمير" –تصغير دارجي للحمار- بكسر الحاء وفتح الميم وتشديد الياء وكسرها. يطلق هذا المثل على من قصرت همته على مفارقة سوء حاله وترك المكارم والمعالي ولم يعمل لنيلها.
مازالت حكومتنا كما تركتها، تجيد الجعجعة من غير طحن، تمارس الحكم بسياسة رزق اليوم باليوم، وتقبع رفاهية شعبها في ذيل أولوياتها إن كان لها أولويات أصلا.
يحكى أن المعتمد بن عباد، آخر ملوك الطوائف بالأندلس، كان له جارية تسمي الرميكية قد شغفها حبا، أطلت من شرفة القصر ذات يوم فرأت الجواري يمشين في الطين فاشتهت أن تمشي فيه. فأمر بالطيوب فسحقت وذرت في ساحة القصر حتى عمته، ثم عجنت بماء الورد حتى حاكت الطين فخاضت فيه هي وجواريها وكان يوما مشهودا. ذات المعتمد كان عاجزا عن دفع رواتب جنده ومدنه تتساقط الواحدة تلو الأخرى في يد الفرنجة.
لم أجد على مر الزمان من فاق المعتمد في ضيق الأفق و إختلاط الأولويات إلا أهل "الإنقاذ". بعد عقدين ونيف في التشبث بالسلطة لم يستطع هؤلاء توفير مياه للشرب لسكان عاصمة بلاد يشقها النيل العظيم وترقد على مخزون هائل من المياه الجوفية.  تلاميذ المدارس عندنا يجلسون على الأرض في فصول من رواكيب، ويموت الناس بسوء التغذية والإهمال. لكن، المغرضون من أمثالنا ممن باعوا أنفسهم "للإمبريالية العالمية"و دول "العمالة والإرتزاق" هم فقط من ينظرون إلى سوءات الإتقاذ ويهملون أنها حفظت لنا الوطن من كيد الأعداء والمتربصين. تقف الصروح الشاهقة لوزارة الدفاع خير شاهد على أننا "شعب لا يرضى الضيم ويرضى أن يهلك جوعا ومرضا على أن تنتهك حرماته"، أو كما قال وزير المالية الأسبق "حمدي" في معرض تقديمه لميزانية سنة ما أمام مجلس وطني ما مبررا تخصيص جل الميزانية لأغراض الدفاع.
فعزاء المواطن الوحيد، على صبره علي الجوع والعطش والمرض والجهل، أننا شيدنا مبنى لقواتنا البرية في شكل سفينة ولقواتنا الجوية في شكل طائرة، وأننا نملك يختا رئاسيا "يطول رقبتنا" أمام زوارنا من قادة العالم. ما عليك، إن أحسست بتقصير الدولة تجاهك في مأكل أو مشرب أو علاج، إلا أن تقف أمام سفينة عبدالرحيم وتلتقط صورة تذكارية، يمكنك فيما بعد مقايضتها بالماء والخبز أو إستعمالها كتذكرة دخول للطبيب.
ومايزيد من غمنا، أن هذا المال الذي تبخل به الحكومة على شعبها، فتخصص منه  أكثر من سبعين بالمائة للدفاع و شؤونه، مقابل أقل من سبعة بالمائة للصحة والتعليم مجتمعين، أريتو كان جاب "لبن!"  تامزين. لم يشهد السودان على مر تاريخه أن إحتلت اراضيه من ثلاث دول مختلفه، إحداها أحدث دولة في العالم، وقاد طبيب مجموعة من القوات غير النظامية المسلحة تسليحا خفيفا لمشارف القصر الجمهوري، وجعلت منا إسرائيل أضحوكة وقد صارت أجوائنا لطيرانها آمن من أجواء فلسطين المحتلة.
مشكلة الأنظمة الدكتاتورية عموما، أنها عندما تأتي، تلعن سنسفيل من سبقوها ممن قصروا في حقوق الشعب وأجاعوه وأسغبوه وأذلوه، وتطلب من ذات الشعب أن يلهج لسانه بالشكر لأنها جاءت في الوقت المناسب لنشله من وهدته وإطعامه من جوع وإيمانه من خوف. ثم لا يلبث للنظام الدكتاتاتوري أن "يروح له الدرب في الموية"، وتتغير أولوياته من رفاهية الشعب إلي رفاهية منسوبيه، ومن تأمين الشعب إلي تأمين نفسه من الشعب. الغريب أن جميع هذه الأنظمة تنفق جل ميزانياتها على الأمن والدفاع بدعوى حماية الوطن من الأخطار الخارجية بينما هي في حقيقة الأمر تحمي فسادها وسوء حكمها وحكامها من الشعب، وهي في سبيل ذاك تتقمص روح الوطن وتدعي أنها الوطن وأن الوطن هي، فتسحق في طريقها كل من يقف أمامها بدعاوي التخوين والعمالة واللاوطنية، فهي جميعا لا ترينا إلا ما ترى ولا تهدينا إلا سبيل الرشاد.
جميع الحكومات الرشيدة في العالم تضع رفاهية شعوبها في قمة أولوياتها، ولا تصل حكومة لسدة الحكم إلا بعد تمحيص من الرأي العام لجدية وعودها في ما يليه من تعليم وصحة ومواصلات وغيره. ذات الرأي العام الذي يمتلك حق تغيير الحكومة إن هي نكثت بوعودها في أقرب إنتخابات. هذه للأسف نعمة لا تملكها الدول التي يحكمها "المختارون" ممن إختارهم الرب لا الشعب لحكم شعوبهم.
ولأن كل الطغاة يربطون أنفسهم بالوطن رباطا لا فكاك منه، يقع في إعتقادهم أن ذهابهم يعني ذهاب الوطن، وأن وجودهم قمين ببقاء الوطن وطنا، وأنه لولاهم لتخطفنا الطير وتقاذفتنا الخطوب. يربط بين الأنظمة الدكتاتورية في كل مكان الإعتقاد الجازم بأنها الوحيدة القادرة على تولي مسؤولية الحكم، وأن جميع من سواها قاصر وعاجز. يعتقد الطاغية مع مرور الزمن أنه فقط، لا شريك له، القادر على حكم هذا الشعب المسكين الذي لولاه لإكتنفه الضياع. الغريب أن هذا الإفتراض أثبت التاريخ مرارا خطله، فالقبور مليئة بمن ظنوا أنهم لا غنى لشعوبهم عنهم، فذهبوا وبقيت الشعوب.
لكن الطغاة لا يقرأون التاريخ!

الأحد، 10 يوليو 2011

في تقريظ (الكمونية) وناسها


والكمونية هنا الكميونتي ميديسن وليس أكلتنا السودانية الشهية، وأنوي في هذه العجالة تقريظها لا (تقريضها). وقد طفق لفيف من ال clinicians علي تسميته بالكمونية تحقيرا لشأنه ولشأن ناسه، جهلا منهم بدوره المفصلي فيما يمارسونه ولا يمارسونه من ألوان الطب، وكما أن الكمونية في الحيوان هي مصنع ومبدأ كل ما يحتاجه ليحيا وتستقيم حياته، فإن منزل الكمونية في الطب مشابه، فعلى علومها المختلفة تقوم كل أركان الطب المختلفة وإن جهل أو تجاهل الممارسون.

وقد أفرد أستاذنا (Gordis) في سفره العظيم (Epidemiology) بابا تحدث فيه عن أهمية هذا العلم وكيف أن أركان الطب تقوم عليه، فبطرقه التجريبية يعلم الclinicians الrisk factors وال differential diagnoses وأحسن طرق العلاج والprognoses ومآلات المرض المختلفة، ولولا الإبديميولوجي وناس الكمونية لما وجد الكلينشيان شيئا يبنون عليه ممارستهم للطب ولصار ضربا آخر من التنجيم.

ولقد أتي علي الكمونية حين من الدهر لم تكن في السودان شيئا مذكورا، إذ لم يدخر القائمون علي أمرها حينئذ وسعا-بقصد أو بغير- علي تنفير الناس منها فعلا في الfields وقولا في قاعات المحاضرات، وزاد ذلك من نبذ الأطباء لها وجعل بعضهم يعتقد أنها مجال يقصده ممن تقطعت بهم سبل الطب وعجزوا أو كسلوا عن إدراك غيرها كالرجال (المحمولين) والنساء (الحوامل)! وقد زاد من سوء ظن الناس بالكمونية أن منح مجلس التخصصات الطبية في أولى سنينه ال (MD in community medicine) للفيف من وزراء الصحة الولائيين هكذا ضربة لازب، بلا إمتحانات أو rotation أو يحزنون، في وقت كان فيه الحصول علي ذات الMD في ضروب الطب الأخرى دونه خرط القتاد، فأودى ذلك بكثير من إحترام الناس للكمونية، وزاد سمعتها ضغثا على إبالة.

غير أنني أعترف أنني كنت جاهلا بمكانة الكمونية في الكلية، فدككت محاضراتها شر دك، وفضلت عليها مزاملة خالد السر كأستاذ كيمياء في إحدي المدارس الثانوية ومتابعة الأركان وتسطير (لافتات) التي إزدهرت في سنة خامسة، ولم يكن القليل الذي حضرته من محاضرات مشجعا أو محمسا إذ أنني لم افهم شيئا وقتلني الملل، لأجد نفسي والإمتحان على الأبواب أحملق في مجموعة ضخمة من الأوراق المصورة لا أعرف لها صرفا من عدلا. وأذكر أننا إستعنا علي حفظ ذلك الكلام الممل- الذي سأكتشف بعد زمن أن لا علاقة له بالكمونية الحقيقية- بكلمات وجمل إخترعناها يحمل كل حرف منها بداية لجملة. وعندما إستعصت علينا إحداها جاءنا مأمون بجملة تذكيرية إجتهد في تلفيقها، وهي (eido ibn koku mat) ! وعندما وجد مأمون إحدي حسان الدفعة وقد وقفت حائرة أمام هذا الموضوع المعقد تطوع بإعطائها الجملة السحرية. المشكلة أن الجمل السحرية نفسها كانت معرضة للنسيان، إلا إن مأمون قال للحسناء ليساعدها علي التذكر:(إيدو إبن كوكو مات، إتخيلي إنو في واحد إسمو" إيدو"وأبوهو إسمو "كوكو" قام مات)! ومن نافلة القول أن طريقة مأمون كانت ناجعة، فهأنذا لا زلت أذكر الجملة رغم مضي 11 عاما علي الواقعة، وربما ساعد علي ذلك أن الحسناء ما أن خرجت من قاعة الإمتحان ورأت مأمون حتي هتفت بصوت عذب ( "إيدو إبن كوكو مات" ما جابوها)!

وأثناء إنهماكي في فك ألغاز أوراق الكمونية قبيل الإمتحان إكتشفت أن أوراقي تنقص موضوعا ما، فقصدت مجموعة من شباب الدفعة كانوا يستعدون للإمتحان سويا وسألتهم عما إذا كانت لديهم أوراق (البتاع داك) وحاولت وصفه بقليل المعلومات التي أعلمها. ولما لم يحر أحدهم جوابا نظر إليهم أمين عمر قائلا "الزول ده بيكون قاصد المعاطة" ! والمعاطة كما "لن يغيب عن فطنة القارئ" هي ال Alma Ata declaration !

هكذا إذا كانت تجربتنا ومعظم طلاب الطب مع الكمونية في الجامعة، فلا غرو إذا نبذها الناس بعد التخرج. ولولا أن قيض الله للكمونية نفر من أمضى شباب الأطباء وألمعهم فأقاموها من عثرتها لظلت في السودان نسيا منسيا. إعتنق الكمونية مجموعة من شباب كليتنا والكليات الأخرى ممن آمنوا بدورها العظيم خاصة في بلد كالسودان ينوء كاهله بعلل لا تداويها حقنة الأطباء ومشاكل لا يزيلها مبضع الجراح. قال لي عمار صالح مرة وقد شكوت له من عدم تقييم الناس لنا كناس كمونية : "جيلنا ده هو الحيغير فهم الناس للكمونية لمن نكبر ونكتر".

وأزعم أن الكمونية من دون أفرع الطب الأخرى تحتاج لأناس بكاريزما خاصة ولا ينجح فيها ويبرز إلا هؤلاء. لذلك تجد أن أنجح الناس فيها من كانوا "ريسين هوس" في الجامعة وأصحاب الأنشطة غير الأكديمية كالسياسيين ومن لف لفهم (من لف لفهم ديل نحنا). وقد ضحكت كثيرا عندما ذكر بكري بشير معددا مناقب منظمة أطباء بلا حدود "أنها تذكره بالجبهة الديمقراطية" !

وقد كنت أتمنى دوما أن يعز الله الكمونية بأحد الخالدين الشيوعيين: خالد طوكر وخالد صديق. وبينما رأيت في إعتناق خالد صديق للكمونية فتحا لها في السودان لا زلت (أستكتر) خالد طوكر على الجراحة، فبكاريزمته المميزة سيكون طوكر، كما كان سميه، إضافة مميزة للكمونية في السودان.

وقد رمت كليات الطب في السودان الكمونية بفلذات أكبادها فاستقوت بهم من بعض ضعف وسمت بهم من بعد ضعة، وصار الإنتماء إلي هذه الكوكبة ضرب من الشرف. أناس أذكياء و broad minded تستمتع بالعمل معهم والتتلمذ علي أياديهم، كان لبعضهم فضل لا ينكر في حياتنا العملية، كمحمد صديق الذي آواني وأخرين في برنامج الإيدز وأتاح لنا فرصة إبراز مقدراتنا ك future public health professionals وعيسى حمودة الذي كان خير معين في البرنامج بتميزة العلمي والعملي وآخرين زاملناهم كالدومة (ووجوده في الكميونتي نصر من الله وفتح قريب) وحامد وفاطمة بابكر وجيتر وماجد والصادق وحسن عوض الله. ثم إستقوت الكمونية في السودان بمجموعة من الشباب المتميزيين كسيف عبدالله وبكري بشير والشيخ وبشير ومها حمدي ومن الجامعات الأخرى هبة بت الجزيرة وأماني بت جوبا، وهي من أوائل الذين كشفوا لي الطريق عندما إلتقيتها أثناء أدائي للخدمة الإلزامية بمستشفي كسلا السعودي وكنت حينها أظن ظنا آثما أنني سأتخصص في ال Obs، كما لا أنكر أن لقائي بدكتور الواثق مدير برنامج الإيدز السابق وأمين الشؤون الإنسانية بحركة العدل والمساواة في ورشة عمل بكسلا قد حبب إلي الكميونيتي أكثر فهو ذو أسلوب مميز وكاريزما لا تخطئها العين.

أزعم كذلك أن لشخصي الضعيف الفضل في رفد الكمونية بكنزين ثمينين. في ذات صباح توجهت لمحمد صديق وأخبرته عن زميلة لي أود إلحاقها ببرنامج الإيدز، وكان محمد كالعادة على قدر الرجاء وأكثر. والغريب أنني لم أخبر هذه الزميلة بمسعاي إلا بعد أن تكلل بالنجاح، وهكذا دلفت أمل صلاح، مدير إدارة تعزيز الصحة الإتحادية ، إلي رحاب الكميونتي.

ثم نمى إلي علمي أن الصادق كرم الله إمتحن كميونتي وقاعد عاطل، فإستأذنت محمد صديق في رفد SNAP به وقد كان.

وقد أعزت الكمونية بإثنين من أبناء صالح (ووجود أي منهم في أي مكان قمين بتشريفه) فوضع عمار بصمات لا تنكر في الدرن و معمل علم الأوبئة، وسررت عندما علمت أن عابدة (التي تصر أن إسمها عابدة) قد سلكت ذات الطريق.

ولما في التنصيص قصة طريفة لا علاقة لها بالكمونية ولكن لا بأس من أن نحيد عن الموضوع قليلا، فقد قابلت عابدة وهي برلومة لنج في سنة أولي وقد خرجت لتوها -زعلانة- من مكتب خولة مسؤولة العمادة بمجمع طب (ومن لا يعرف خولة !) سألت عابدة عن سبب زعلها فأخبرتني أن خولة بعثتها لتراجع أوراقها بالجامعة وأرتني ما كتبه لها علي الورق: ( الأخوة بمكتب التسجيل، الطالبة المذكورة أعلاه مقيدة لدينا بإسم عايدة و"هي تصر" على أن إسمها عابدة)! وما كان لعابدة أن "تغالط" خولة في إسمها الذى ولدت به "هو في حد بيعرف أحسن من الحكومة"!

أود ختاما أن أستعير عنوان كتاب الصادق المهدي "الديمقراطية عائدة وراجحة" لأقول ان الكمونية عائدة وراجحة، بإزدهارها يزدهر الوطن وبقوتها يقوى ولا يموت. يمكن للجراح أن ينقذ نفسا أو نفسين بمبضعه، ولل clinician أن يبعد الموت عن قلة من الناس بعقاقيره، ولكن التأثير الأكبر والأشمل يظل لناس الكمونية، وليس أصدق من شعار كليتنا ، Hopkins School of Public health الخالد ما خلدت:

"Protecting Health, Saving Lives-Millions at a Time"



الخميس، 17 فبراير 2011

نعم أستاذي مصطفي إدريس: سيمضي الرئيس وتبقى الجامعة !


تألمت أشد الألم عندما نمي إلي نبأ إقالة أستاذي د. مصطفي إدريس من إدارة جامعة الخرطوم. كنت – عند تعيينه- قد حمدت الله علي أن أهل الإنقاذ ورئيسها قد أصابهم الرشد أخيرا فوضعوا الرجل المناسب في المكان المناسب، فدكتور مصطفي إدريس من أبناء الجامعة المخلصين ومن أحدب الناس عليها، كما عرف عنه قربه من طلابه وتواضعه وعلمه الجم وعمله الدؤوب، فعندما كان في شعبة الكيمياء الحيوية كان الأستاذ الوحيد الذي نراه في الجامعة معتكفا في مكتبه ومعمله إلي ساعات متأخرة من الليل.

قبل زمن كنت قد عرضت علي أستاذتي بجامعة جونز هوبكنز الأمريكية حيث أدرس، وهي في ذات الوقت مديرة لمؤسسة خيرية كبيرة تعني بصحة الأم والطفل، مشروعا لإنشاء مركز متخصص في جامعة الخرطوم ، مولت مؤسستها شبيه له في دولة أفريقية،علي أن ينشأ بعد رفع العقوبات. كنت أعول كثيرا علي وجود د. مصطفي علي إدارة الجامعة في إنجاح هذا المشروع، لعلمي برجاحة عقله وبعد نظره. عندما علمت بنبأ الإقالة، بعثت إليها برسالة مفادها أن رئيسنا الهمام قد قرر فجأة إقالة مدير الجامعة الذي كنا نعول عليه في مشروعنا ذاك . قالت وقد ألجمتها المفاجأة (يا إلهي! تخيل لو أن ذلك حدث هنا. لن يكون بمقدور أي من الأساتذة العمل في ظل مفاجأة مزرية كهذه. لكنها أيضا علامة جيدة لكي لا نستثمر في بنية تحتية لبرامج يمكن أن تنهي بهذه الفجائية).

وهكذا، كعادته، يبرهن السيد الرئيس للعالم مدي الفوضي وعدم الإتزان الذي تدار بهما أمة عظيمة كالسودان. وقد كنت قرأت مقالات أستاذي د. مصطفي التي خاطب بها الرئيس، وحزنت جدا لعلمي أنه إنما ينفخ (في قربة مقدودة). فالسيد الرئيس الذي يحكمنا منذ أن كان شخصي بالمدرسة الإبتدائية- لا يرينا إلا مايرى ولا يهدينا إلا سبيل الرشاد.

يقول الدكتور مصطفي في أحد مقالاته (.... فهل صحيح أنك الآن بعد أكثر من عشرين سنة في السلطة يصعب نصحك أو التصريح برأي مخالف أمامك، وهل صحيح أنه يستحيل أن تغير رأياً أو قراراً بعد اتخاذه إذا لم تتم التهيئة لذلك عدة شهور). وهنا يلخص د. مصطفي بصورة دقيقة شخصية الرجل الذي أمسك بتلابيب هذه الوطن أكثر من عشرين عاما. فلو كان الرجل يستمع لآراء الآخرين، كمستشاريه كثيري العدد والعدة، لما صارت البلاد إلي ما صيرها إليه من بؤس، ولما جعل منا أضحوكة بما يأتيه من أقوال وأفعال علي شاشات التلفاز، يبدأ فيها التهديد والوعيد والرغي والزبد وإطلاق الكلام علي عواهنه، ويختمها بالرقص علي أنغام الأناشيد، حتي صرنا نتوارى خجلا إذا أطل رئيسنا علي شاشة من شاشات المحطات العالمية لئلا نسأل السؤال الذي يخطر علي بال كل عاقل : (لماذا يفعل رئيسكم ذلك؟) . وقد لازمتني حيرة طويلة حول هذا الأمر، إذ أنني وجدت من الغريب ألا يقوم أحد من بقي من العقلاء في هذا النظام بالإسرار إلي الرئيس أن ما يفعله لا يليق بوقار وهيبة الدولة، ولكن زالت حيرتي بعد قراءتي لما أضافه د. مصطفي حول ضيق صدر الرئيس إلي ما نعلمه سلفا من ضيق أفقه.

وقد أشار د. مصطفي لإختيار الإسلاميين للسيد الرئيس لأسباب ذكرها ومنعه أدبه الجم من ذكر السبب الأول، وهو أن عراب النظام قد آنس في شخصية السيد الرئيس ضعفا واضحا في الكاريزما القيادية والحصيلة المعرفية والحنكة السياسية، فقدمه ليسهل عليه توجيهه من بعد، وقد وصفه من زمن بعيد بأنه (هدية من السماء). ولا أدري ماذا يسميه الآن بعد أن قذفته هدية السماء إلي جوف كوبر عدة مرات.

ولو كنت مكان الرئيس- بما نراه من ضعف بين فيما قسمه الله له في الكاريزما والقدرات- لأصبحت من القلائل الذين يلزمون القول المأثور (الصمت حكم وقليل فاعله)، فهو ليس المحجوب أو الصادق المهدي ليصر ذاك الإصرار الغريب علي إرتجال الخطب والقرارت، والتي دائما ما يأتينا فيها بالعجائب، وللزمت نصح مستشاري لا أحيد عنه قيد أنمله. فقد رزئت البلاد بما يكفي من القرارات الإرتجالية وإلقاء الكلام علي عواهنه أمام العالم. كنت في السنة الثانية بكلية الطب عندما خرج إلينا الرئيس ليلة قصف (الشفاء) ليخبر العالم كله أن الصورايخ التي ضربت المصنع كانت من طراز (مية وإلفن). أما عن العبارات السوقية و(الدراريب) فحدث ولكن بكثير من الحرج. فناس المحكمة الجنائية مثلا (سيبلعوا قرارهم ناشف) و (كديس ما بنسلموا لأكامبو) و (القرار موصوهو وأشربو مويتو) وغير ذلك كثير. ولعل السيد الرئيس لايدري أن العالم يتابع و يسجل ويحلل ويبني وجهات نظره علي مايراه ويسمعه من (حلايف) علي الهواء الطلق وقرارت أمام الغوغاء يتم التراجع عنها بعد حين، وكلام علي شاكلة (بعد أنفصال الجنوب مافي كلام خارم بارم بتاع تعددية ثقافية) أو شئ من هذا القبيل، وأراهن علي أن السيد الرئيس لا يفهم معني التعددية ولا يعي أن كلامه هذا سيجر علي البلاد فتن كقطع الليل المظلم.

ولم أستغرب حديث الدكتور مصطفي عن قرارات الرئيس المجحفة فيما يخص جامعة الخرطوم، فهو لم يكن الأول ولن يكون الأخير. وقد كتبت مقالا في صحيفة الصحافة قبل سنين بعنوان (الإنقاذ وجامعة الخرطوم- حشف وسوء كيل) عددت فيه من الشواهد التاريخية ما لا يحصي عن إستهداف النظام للجامعة عن عمد، حتي أنهم كادوا،وقد قرأت ذلك بصحيفة الإنقاذ الوطني وأنا بالمدرسة الثانوية، أن يحولوا إسمها لجامعة (الشهيد). وأصابني يومها غم عظيم، فقد ظننت أن الجامعة التي جعلت من دخولها أمنية حياتي ستتلاشي من الوجود.

يكشف لك ما يتخذه الرئيس من قرارات وما جاء في مقالات د. مصطفي عن السبهللية التي تصدر بها القرارت الجمهورية وكيف أن السودان للأسف الشديد علي بعد سنين ضوئية من دولة المؤسسات، وأنه يدار بمزاج الرئيس الذي يصدر القرارات بناءا علي إعتبارات شخصية وعلاقات مع إشخاص يوعزون له بها لخدمة أهداف أبعد ماتكون عن مصلحة الوطن، والأنكي من ذلك أن هذه القرارت العشوائية لا يتم التراجع عنها لأن الرئيس صعب المراس ولا يحب أن يراجع في قراراته حتي من قبل أقرب الناس (راجع مقالات د. مصطفي)، وكأنه يدير زريبة بهائم او مزرعة خاصة به ورثها عن أجداده وليس دولة عظيمة حكمها من قبل رجال بقامة الأزهري والمحجوب. وقد علم الكثيرون من أصحاب المصالح هذه النقطة فأتبعوا مؤسساتهم لرئاسة الجمهورية وإستصدروا من القرارات ما تغولوا به علي حقوق البلاد والعباد، وصندوق دعم الطلاب ليس ببعيد.

ولعل د. مصطفي يذكر كيف أن السيد الرئيس قد ألغي بجرة قلم التخصصات الطبية بجامعة الخرطوم لصالح مجلس التخصصات الذي أفلح القائمون عليه آنذاك في كسب الرئيس إلي صفهم وأتبعوا مجلسهم إليه مباشرة قافزين علي وزراتي التعليم العالي والصحة. وعندما صدر هذا القرار الكارثي الذي وأد مجاهدات رجال عظماء من أساتذة جامعة الخرطوم ممن أفنوا عمرهم لتطوير التخصصات الطبية وإستطاعوا أن يجلبوا لها الإعتراف الإقليمي والدولي، تدخل الكثيرون لإثناء الرئيس عن قراره بلا طائل، وقد حكي لي أحد أساتذتنا في كلية الطب أن وفدا رفيعا من أساتذة الكلية الأجلاء قد إجتمع بالرئيس لمحاولة إثنائه عن القرار. وبعد أن تحدثوا مليا عن القيمة التاريخية و الأكاديمية لها ذكروا أن هذه التخصصات الطبية معترف بها من الكليات الملكية في إنجلترا. فقال الرئيس- وكان هذا اللقاء في التسعينات- (هم الإنجليز حكومتي ذاتها ما معترفين بيها، يعني شنو لو ما اعترفوا بي تخصصاتكم دي؟) ألم أقل لك أستاذي مصطفي إدريس أن القربة مقدودة؟

كنت أتمني أن يتعظ السيد الرئيس بما حدث لبن علي ومبارك، وأن يدرك أنه قد مكث في كرسي الرئاسة زمنا طويلا وقد آن له أن يترجل، ولكن تبارى أهل النظام بما فيهم الرئيس نفسه في كشف مساوئ مبارك من نهب للمال العام وتفشي المحسوبية وتفننوا في إقناعنا بإختلاف نظامهم كليا عن نظام مبارك، وكيف أن الحرية متاحة للجميع وأنهم لن يهربون إن ثار الشعب بل سيخرجون له ليرجمهم بالحجارة، وغيره من الكلام المضحك المبكي الذي يثبت أن السيد الرئيس وأركان حكمه يعيشون في جزيرة معزولة لا يقرأون الصحف ولا يشاهدون التلفاز ولا يمرون بطرقات المدينة أو إنهم يكذبون ويتحرون ذلك الكذب ويصدقونه من بعد.

أن ما فعله الرئيس مع مدير جامعة الخرطوم لهو غيض من فيض الطريقة الرعناء التي ما زال يدير بها البلاد منذ حين، وأعتقد أنه قد آن الأوان له أن يذهب، فهويزيدنا يقينا كل يوم أنه ليس بقامة هذا الوطن، وإن ما قسمه الله له من مقدرات يقصر بكثير عن ما ساقته الأقدار إليه من مسؤولية.

سيعود أستاذي مصطفي إدريس إلي تدريس الكيمياء الحيوية لطلابه الذين أحبهم وأحبوه، وسيعود لمتابعة أبحاثه في معمل (دانيدا) بما ينفع الناس ويمكث في الأرض. وآجلا أو عاجلا، سيذهب الرئيس كما ذهب من قبله ممن ظنوا أنهم أكبر من جامعة الخرطوم، وستبقي هي كما كانت دوما، منارة للعلم وقلعة للديمقراطية والنور، وشوكة في خاصرة الطغاة الزائلين.

الأحد، 30 يناير 2011

الكلية (3)- العاملين و الأساتذة


والمقصود هنا الأماكن لا الشخوص .
تناول الطعام فى الكلية يتجاوز مجرد كونه إشباع لغريزة الجوع . للأكل فى الكلية طقوسا مقدسة تبدأ بالتنادى ولا تنتهى بأكل الخشاف وشرب الشاى .
كنت برلوما فى السنة الأولى عندما أخذنى د.( أحمد حسبو) ل(أبو العباس) ناصحا لى أن أعض عليه بالنواجذ وأن أبقى على (عشرته الكرام) عشرة. إستغللت معرفتى المبكرة نوعا ب(أبو العباس) لأسجل نقطة على الشلة وأستولى على تخصص (عزو) فى إطعامنا لوهلة لم تدم طويلا آخذا إياهم فى أول أيامنا بالسنة الثانية إلى هناك. وعلى مر أيامنا فى الكلية كان (أبو العباس) – رغم تعدد الخيارات بعد زمن – فوالنا المفضل نختلف إليه صباحا مرات قلية إذا ما كان فى الوقت متسع وأحيانا كثيرة مساءا . إلتقينا د/ مصطفى إدريس مرة فى ذات عودة من (أبو العباس) ، فأحسن بنا الظن سائلا (جايين من الحوادث ؟) وعندما لاحظ إبتساماتنا الماكرة ضحك مردفا : (ولا حوادث (أبو العباس) ! )
وقد كان (أبو العباس) هناك ماكانت الكلية أو يكاد . ذكرته لخالتى التى تخرجت فى أوائل الثمانينات فتذكرته مع أشياء عدة كبوستة الكلية وجدول سنة ثانية الذى لم يتغير من عقود.
وقد وقع فى ظننا دائما أن الحناكيش قد حرموا أنفسهم أيما حرمان بمجافاتهم للفول فى مواقعه المحتفلة وتفضيلهم للشاورمة وغيرها من (الجغاور) – كلمة كان يستخدمها جدى البدرى لوصف مالا يروقه من أكل.
وقد سألت أحدهم ذات مرة إن كان يعرف (أبو العباس) فأجاب بثقة أن (أيوة ، بنجيب منو السندوتشات للرحلات ).
وقد (ضبطت) ذات مساء حنكوشتين من أسنان (رفقيتاها لآية الفلسطينية) وقد وقفتا على بعد متر من (أبو العباس) وقد بدا عليهما التردد ، وكنت قد فرغت والشلة لتونا من إهدار قدر لا بأس به من ثروة البلاد من البقوليات والبيض الخالى من (الديوكسين) ، فسألتهما فى وجل ظانا أنهما قطعا قد ضلتا الطريق : (إنتو متأكدين إنكم دايرين تاكلو من هنا ؟) ، فأجابتا انهما قد أتين لشراء سندوتشات (من باب التجربة طبعا ، كالذهاب إلى سفارى أفريقيا لرؤية الأسود) ، فساعدتهما فى مهمتهما الإنتحارية ممنيا نفسى بسبق صحفى على (لافتات).
إلا إن بريق (أبو العباس) لدينا قد خبا – خاصة فى الصباح – بعد إكتشافنا للسكة حديد ، نقطع إليها شارع الزلط المقابل لأسنان ، ننعم بفولها المزبوط بطبقة الدمعة الظاهرة على أعلاه وشايها الأسطورى .عيبها الوحيد صعوبة إرتياد المكان المكشوف فى الشتاء . وقد شهد مأمون كيف أن رياح أمشير القوية قد عصفت مرة بصحن أحد أعمامك الملئ بالعدس من أمامه بعيدا تاركة أياه مندهشا والعدس قد (لحق اللسان ما لحق المصران).
ولم تلبث أقدامنا بعد هنيهة أن قادتنا إلى جنة عمك حسن أو العاملين . وعشقك لهذه العاملين سوف لن ينتهى أبدا بالتخرج أو غيره ، ستطوف بالآفاق وتعود لتقنع من الغنيمة بخشاف العاملين .ولا زال من بقى من الشلة هناك وفيا للعاملين وخشافها.
وقد عرفنا عمك حسن وصادقنا فصارت عندنا لديه حظوة ومكانة . وعندما كتبت فى ذات مقال فى لافتات بعد ذكر(الذى منه) من لعن الأوضاع وسنسفيل الحكومة أنه ما زال هناك بعض من جمال فى تلك العتمة وهى أن (خشاف العاملين مازال لذيذا) ، ولعل أن فاعل خير ما نقلها إليه فازدادت حظوتنا لديه وإزدادت معها (كمش) طلبات الخشاف خاصتنا.
قال لى برلوم مرة وقد رآنى أشترى ساندوتش فول من العاملين سحرا وكنت أيامها طبيبا : (معقولة بس ؟ يعنى أنا بعد كم سنة من التخرج حأجى أقيف هنا أشترى سانوتش فول ؟) ولعل البرلوم قد ظن ظنا آثما أن الناس بعد التخرج تنأى بهم حياة الدعة والراحة والراتب الجزيل عن أكل الفول.
ولعل من حق (التانين) علينا هنا أن نذكر مطاعمهم ايضا . ولن يعلم معظم البرالمة أن كافتريا طب هذه قد تغيرت تغيرا هائلا فى فترة وجيزة مع الغزو (الحنكوشى) للكلية . فى سابق الأيام لم تكن هناك ثلاجة عرض واحدة ، وكان (البارد) يوضع فى صندوق صفيح قمئ ويطمر بالثلج (السايح) ، فإذا ما طلبت (بيبسى) أدخل عمك (صديق) يده وصال بها وجال داخل الصندوق ليظفر لك ب(ميرندا) .وإذا طلبت عصير منقة ملأ لك عمك نصف الكوب ثلجا . وقد إستجرأ مأمون مرة فطلب المنقة من غير ثلج فقال له عمك (فى لحمة ببيعوها من غير عضام ؟!).
الغريبة أن هذه الكافتريا البائسة بسندوتشات الطعمية والجبن سيئة الذكر كانت خيارا للبعض من غير الفوليين وبطبيعة الحال (للبنات).أما من كرهوا الكافتريا والفول من (أولاد الراحات) فقد إتخذوا من كافتريا (الأساتذة) مطعما ومخلطا ، وربما لجأ بعضهم إلى بعض كافتريات شارع القصر .
ومرتادو كافتريا الأساتذة – كما قال الطيب مصطفى – لا يعلمون شيئا عن كافتريا (العاملين) والعكس صحيح. فالأولى تحتاج لدخولها محفظة مثخنة بالمال والأخيرة لا تتطلب أحيانا إلا شهامة الأخوان !
كنت وعبدالله الجنيد فى شغف مجنون بمسلسل (زينب والعرش) بتاع (سهير رمزى) نقطع مذاكرتنا فى الثامنة مساء كل ليلة لنهرع إلى تلفزيون الكافتريا . وقد قادنا هذا الشغف عندما قطعت الكهرباء من الكافتريا ذات ليلة إلى كافتريا الأساتذة ، فطلبنا كوبين من عصير المنقة من باب اللياقة ولنصرف عنا الجرسون الذى يمم شطر مجلسنا ما أن قعدنا.
والحق يقال أننى لم استمتع بطعم المنقة ولم أفقه مما دار فى المسلسل شيئا ، فبعد أن رأيت الجميع من حولنا (يحاسبون) الجرسون بأوراق نقدية كبيرة دخل فى روعى ان ما لدينا من نقود لن يكفى وسنحرج غاية الحرج .
جمعنا ما لدينا من مال وتشجع (جندى) فذهب وسال عن الحساب ، وماهى إلا لحظات حتى جاءنى من هناك متهلل الاسارير مشيرا بعلامة النصر فتنفست الصعداء . ولم نعقب بعدها لذلك المكان إلا من بعد أن أصبح مكتبا للعميد . دفعنا ألف جنيه ثمنا لكوب المنقة الواحد عندما كان ذات الكوب يساوى 250 جنيه أو نحوها فى الكافتريا !
وإن أنس لا أنس (رقعة معاوية) ، فهى خيارنا إن كنا مستعجلين ، نأكل فيها فول وكبدة وبيض عمك الضى ، ومنها خرجت أول شرارة ضد القبول الموازى عندما أحضر (عزو) الجريدة التى حوت الخبر ونحن متحلقين حول صحن فول هناك ـ فقمنا من فورنا للقاعات فأغلقناها وللداخلية فإرتجلنا مخاطبة وأعلنا إعتصاما فى اليوم التالى مما ذكرته بالتفصيل فى أولاد شلتنا .
سأعود أن بقى فى العمر بقية إالى العاملين وخشافها ، (أبو العباس) وفوله وربما كوراعه . فالأمر ليس مجرد طعام ، وإنما إجترار لذاكرة أيام تنوى أن تدفع كل ما لديك لكى تعود.

الجمعة، 21 يناير 2011

الكلية (2) - مجالس القهوة


قهوة الكلية ، عند ميرى شربتها او خديجة ، ترتبط وجدانيا بالمكان وتصبح طقسا لابد من إكماله إذا ما مررت من هناك متعجلا - إذا كنت زائرا أو متمهلا فى حالة كنت من أبناء الكلية . نقص القادرين على التمام أن تمر من هناك ولا تجلس قبالة ال (كول بوكس) أو ورائه ممليا نظرك فى حسان المين ، تناقش (أمورا شتى) مع (فردك) ، ترتشف كباية قهوة على مهل متمنيا أن لا تنتهى ، فقهوة الكلية من الأشياء التى قال مأمون عبدالله عنها ذات تجلى (عيبها الوحيد أنها بتكمل) . .

وعبارة (تناقش أمورا شتى) ربما تسمعونها من الجنيد ايضا ، إختلسناها من الرواية الفذة للغيطانى (الزينى بركات) ، والتى ذكرت فى (أولاد شلتنا) أنها صارت حبل أنس لا ينقضى بينى وبين عبدالله ، نحفظ الكثير من عباراتها ونحشرها فى حوراتنا العادية . وهى هنا تغنينا من التوصيف الدقيق لما نفعله فى مجالس قهوتنا ، فهى تبدأ بذكر ضرورى للبنات ، الحديث عن المحاضرات ، القطيعة فى الأساتذة ولا تنتهى بالسياسة وحل الإم سكيوز .

ومما لا يوصى به (الشفوت) ألا تخلط فى تلك البقعة ، لأن مما أثبتته وقائع الأيام أن ليس من مزايا ميرى أن لا (تشيل حسك) و(حس) جكسويتك ، إنفردت مرة براؤول لتنقل إليه أنها شاهدت إحدى جكسوياته (إيهم ؛ فهم كثر ! ) متلبسة بخلط أحد وجهاء أسنان (البت بتاعك داك كان قاعد مع ولد تانى هنا أمبارح) ، والذى إتضح أنه زميل دراسة (شرحبيل) أجازه راؤول .

كما نقل لى الجنيد أن ميرى قد نصحت عاصم وقد جأر لها بالشكوى من هجر البنات له أن يحلق ذقنه ويخفف وزنه عسى أن يسلك بذلك إليهن سبيلا ، ومن الواضح أن وصفتها لن يكون لها فعل السحر ، ذلك لأن عاصم لن يلتزم بحرف فيها ولأنها خلت من الدواء الناجع وهو أن (إملأ جيبك) !

فميرى إذا هناك لم تنم عن شواردنا عن أمومة ونصح أمين لا عن فضول ، فهى ملاك لنا حارس ، وسع قلبها الأبيض وقهوتها السوداء الجميع ووحدتهم تحت الشجيرات القائمة أمام شعبة طب المجتمع عندما فرقتهم الطبقية والسياسة وأشياء شتى .

وكما ميرى كذلك خديجة ، نصفها المكمل لا غريمتها فى الزبائن ، لا فرق بينهما إلا فى المكان والشخوص ، فالإختيار هنا لا يحدده طعم القهوة أو جودة الشاى ، فهذين فى غاية الكمال هنا أو هناك ، ولا يفرقه التعامل والترحاب ، فالطيبة والأمومة يميزان ميرى وخديجة على الدوام ، لكنى أزعم أن المكان هو مايقرر أن تكون هنا أو هناك .

ويزعم آخرون بعد ملاحظة كثافة الشيوعيين و(من لف لفهم - وأنا حقيقة لا أدرى كنه "اللف" المقصود فى هذه العبارة !) عند خديجة وتكاثر المحايدين وصحبهم (ناس الشهادات العربية – مثلا ) حول ميرى أن بعدا ما سياسيا ربما طغى على خيارات شاربى القهوة والشاى ! ومن نافلة القول هنا أننا شعب يحب تسييس كل شئ .

إلا إنه والحق يقال ، فإن من أشهر مرتادى مجلس خديجة قبالة أنيس - شيراز وخالد البرلوم وميادة ومن (المتأخرين) الشيخ وخالد صديق وسيف عبدالله ، ومن متأخرى المتأخرين سامى عكير وعبدالمنعم مرق وسارية ، ومن (المتأخرين خاالص ) مروان وجوليا وسيف النصر وإنصاف . وهناك ، عند ميرى ، مر هيثم عابدين (رحمه الله) وسهيل جمال ومعتز تنقو ، ومن ثم أحمد يس ووائل فاروق وعزو وعاصم ، وأخيرا . . (الغريبة أنه لا يحضرنى أى إسم من أسماء المحايدين "المتأخرين خالص" ، ربما لتضاؤل الحركة مؤخرا).

ولا تصدق هذه الملاحظة هذا التنميط السياسى لمجالس القهوة كما أنها لا تكذبه أيضا ، فالآلاف غير هؤلاء الأفاضل والفضليات مروا من هناك . وإستمتعنا نحن بصحبة هؤلاء وأولئك ، وبطعم القهوة (الميرى) و( الخديجى) ، وبالنيم الظليل فى كلا المكانين.

هنا أو هناك ، ميرى أو خديجة محايدا كنت ، شيوعيا أو (زول وهم ساى زينا كدة ) – العبارة لحسن عوض الله بتصرف ، فهو لم يقل (وهم!)- سوف لن ننسى تلك الأيام على تلك البنشات ، وسوف تبقى دائما فى أنفك (تلك الرائحة) وفى حلقك شئ من طعم القهوة .

الكلية (1) – أول منزل


هذه سلسلة جديدة تشابه أولاد شلتنا فى أنها تحكى عن ذلك الزمن الجميل ، غير أنها تسلك طريقا أقصر للتوثيق لتلك الحقبة الذهبية فى مسيرة من مروا من هناك . والحديث عن الكلية ذو شجون واشجان ، فكل تفصيل مهما كان دقيقا ربما حمل قصصا لا حصر لها عن أناس كانوا يوما هناك وتركوا بصمات ، ومضى بعضهم وقد إكتفى بما تركته عليه الكلية من بصمات . لكل شجرة أثر عاطفى خاص ، ولكل بنش حكايات وأسرار ، لو نطق بها يوما لتغير حال أشياء وأحداث وأشخاص .
تمضى الأجيال وتبقى الكلية بما فيها وما عليها أسمى بقعة كان إنتسابنا إليها ، إنتسابا نزاحم به النجوم فى عليائها . نطوف فى الآفاق ما شاء الله لنا أن نطوف ، وتبقى هى (أول منزل) ، يكون لها دوما حنيننا الأبدى ونلقى عصا تسيارنا على بابها .
ستكون هذا السلسلة فى حلقات يكون تقسيمها بوقائع وشخوص وأماكن :

الكلية (2) - مجالس القهوة
الكلية (3)- (الأساتذة) و(العاملين )
الكلية (4)- سياسة وسياسيون
الكلية (5)- أريج الأمكنة
الكلية (6)- عبق الأزمنة
الكلية (7)- عظماء
الكلية (8)- الراحلون

وهذه بالطبع ليست تسميات نهائية ، فقد تتغير العناوين والمضامين حسب الحاجة .
ويمتد عشمى فى كل أبناء الكلية بالفيس بوك فى مدى بما يرونه مثريا لما أنا بصدده ، كالصور والحكايات. . .

الاثنين، 20 ديسمبر 2010

الخارقون


دأبت كغيري، من أبناء هذا الشعب الصابر، علي تلهف أخبار التغييرات الوزارية كثيفة العدد، وعلي مجالسة وسائط الإعلام الناقلة لهذا التغييرات بلهفة، مؤملا في كل مرة علي أن تخيب الإنقاذ سوء ظننا وتأتي بوجوه جديدة غير التي عرفناها ولم تعرفنا، وأصابنا من طلتها المتكررة وإسطواناتها المشروخة الملل. ولما وجدت أنه في كل مرة يصيبني من الإحباط قدر عظيم، عزمت علي مقاطعتها ضربة لازب، حرصا علي ضغط الدم عندي والسكري.

وقد كنت أظن، أن "سوبرمان" البطل الخارق شخصية وهمية من بنات أفكار الأمريكي "جيري سيغيل"، قبل أن تأتي الإنقاذ- ولها سوابق لا تنكر من الإتيان بالخوارق والمعجزات وما لم يأت به الأوائل- لتبرهن لي أن ظني كان آثما، وأن المجموعة الحاكمة قد إكتشفت – ليس "سوبرمانا" واحدا وإنما مجموعة، وأنها – من حسن حظ الشعب السوداني- قد قررت أن تأتي بهم ليسوسوه ويحكموه ويتبادلوا الأدوار علي سدة وزاراته.

وهؤلاء "الخارقون"، ذوي كاريزمات لا محدودة وطاقات جبارة، يستطيع أحدهم أن يبقي علي سدة وزراة ما لسنين عددا لا يكل ولا يمل أو يفكر في التقاعد، فيحرم الشعب من قدراته وعبقريته.ليس هذا فحسب، فأفراد هذه المجموعة يصلحون لكل زمان ومكان، تجد أحدهم عشية التغيير الوزاري وقد لبس مسوح العلم وزيرا للتعليم العالي، لتفاجأ به في الصباح بالكاكي وزيرا للداخلية، وتتركه صباحا يلقي الخطب عن كيفية إصلاح مشروع الجزيرة، لتجده في نشرة التاسعة وقد تفقد سيادته سير العمل في مستشفي أو سد.

كما أن هذه الصلاحية لا تنتهي بكونها غير محددة بالزمان والمكان، فهي تتجاوز ذلك لتشمل التخصص أيضا، فخارقو الإنقاذ ملائمون لكل منصب، فالأطباء للزراعة، وأطباء الأسنان للخارجية، وضباط الجيش للصحة، وكما أصر الأطباء علي الفتيا في شأن الزراعة، أتي علي وزراة الصحة المسكينة حينا من الدهر لم يتول فيه زمام أمرها طبيب واحد، حتي أنعم الله عليها بمحاصصة سياسية أتت بأحمد البلال الذي لم يلبث أن ذهب ضحية محاصصة سياسية أخري. وفي مرة من مرات تولي ضباط الجيش لوزارة الصحة زارنا وزير الصحة المصري، وهو إختصاصي في جراحة قلوب الأطفال، أجري في زيارته تلك بعضا منها في مستشفي أحمد قاسم، وقد خرجت علينا نشرة التاسعة ليلتها بتوصيف لإستقبال وزير صحتنا للضيف المصري، وكيف إنهما قد إنخرطا في مباحثات حول العلائق الصحية بين البلدين، وختم ذلك بلازمة "وسبل دعمها وتطويرها" ، ولن يفهم من هذا شبهة قدح في ضباط الجيش، فلهم مجالاتهم التي لا ينازعهم فيها الآخرون، ولا أعتقد أنه سيكون من المقبول عندهم أن يقوم طبيب رسم خطة عسكرية لإنهاء التمرد في دارفور، وعلي ذلك قس.

ويجعلك هؤلاء الخارقون تود مراجعة مارسخ عندك من إعتقادات، أولها قولنا السوداني الشائع "حواء والدة"، فإصرار الإنقاذ العجيب علي الإحتفاظ بهذه المجموعة مع تغيير أدوارها من حين لآخر يجعلك تعتقد بأن حواء السودانية ربما عقمت فعلا أن تلد مثل هؤلاء الأفذاذ، وأن قصورا عقليا ربما ضرب ما تبقي من هذا الشعب، فعجز عن تقديم شخص مؤهل واحد يصلح لتولي هذه الوزارة أو تلك، وأن وباءا ما قد تخير من خرجته جامعاتنا من علماء طيلة القرن الماضي فأفناهم علي بكرة أبيهم، ولم يبق لنا إلا هذه المجموعة المباركة، فليس لنا إلا أن نلهج بالشكر لله علي نعمائه.

وفي ظني أن الخارقين من الإنقاذيين يعلمون في قرارة أنفسهم أن الشعب قد ملهم وضاق بهم وبسياساتهم ذرعا، لذا فهم يعمدون ذر الرماد في عيوننا حين تغييراتهم الوزراية لإيهامنا بأنها فعلا تغييرات، فيذهب فلان من الخارجية إلي المالية، ويعد علان من تلك الولاية إلي الوزارة، وليذهب فرتكان إلي تلك الولاية البعيدة حتي ينساه الناس و ينسون خيباته الوزارية، ثم لا يبلثون أن يعودون به ليمارس ذات الخيبات القديمة من وزراة جديدة. وقد عمدوا ذات تغيير وزراي علي تحوير أسماء الوزارات مع إبقاء وزرائها، فالداخلية أضحت "الشؤون الداخلية"، وباتت الخارجية "العلاقات الخارجية"، وهكذا تبيع الإتقاذ للشعب ذات "اللبن القديم" في آنية جديدة!

وتود مع "الخارقين" إختبار صدق مقولة أجدادنا الشهيرة أن "كترة الطلة بتمسخ خلق الله"، فهم إن لم يخشوا علينا سأم سياساتهم المجرورة، لايخشون علينا ملل رؤية ذات الوجوه وسماع ذات الأحاديث المشروخة منذ ما يربو علي عشرين عاما. وفي شأن تغيير الوجوه تعطينا فنزويلا (أجمل) مثال. ففي عام 1998 ترشحت إيريني ساييز، ملكة جمال العالم لعام 1981 للرئاسة في فنزويللا ضد شافيز في ترشحه الأول ذاك. و قد حازت حينئذ علي تأييد منقطع النظير رغم عدم خبرتها السياسية، لدرجة أنها حصدت 70% من التأييد في إستطلاعات الراي الأولية قبل أن يتقدم شافيز. المبرر الوحيد للمثقفين والسياسيين الذين وقفوا خلف إيريني أنهم "قد سئموا إطلالة الوجوه المتجهمة في التلفزيون"! مع العلم بأن فنزويلا بلد ديمقراطي، يغادرفيه الوزراء مناصبهم بإنقضاء آجال حكوماتهم، فما بالك بشعبنا الطيب وقد كتب عليه أن يري ذات الإطلالات لنيف وعشرين عاما.

والمقولة الشائعة الأخري التي حكم خارقو الإنقاذ ببطلانها هي (صاحب بالين كضاب) أو (ركاب سرجين وقاع، مساك ضربين ضهاب) إن شئت. ولاشك أنها لم ترو بعدة أوجه إلا تأكيدا، ويقول الخواجات في ذات المعني

Jack of all trades, master of none

ولكن الجماعة برهنوا، بعد أن أثبتوا صلاحيتهم لكل زمان ومكان في السودان، أن الواحد منهم هو الرجل المناسب دائما لأماكن شتي في آن واحد حتي وإن كان بعضها لا يناسبه. فتجد أحدهم أمين أمانة ما في الحزب الحاكم، ورئيسا لإتحاد العمال، ثم تأبي الدولة إلا أن تستفيد من قدراته الخارقة فترسله مديرا لجامعة الخرطوم . نعلم جميعا أن عددا مقدرا من اساتذة جامعة الخرطوم الإجلاء- بعد أن (توجه) الجماعة توجههم الحضاري- قد (توجهوا) لأصقاع العالم المختلفة بحثا عن التقييم العلمي ولأدبي، ولكن ليس لدرجة ألا يوجد ممن بقي صابرا بين طلابه من هو أهل وأقل (مشغولية) لهذا المنصب من رئيس إتحاد العمال.

وقد جاء حين من الدهر علي ولاية ما أن تقلد فيها أحد خارقي الإنقاذ منصب مدير المستشفي، ومدير عام وزارة الصحة، ومدير التأمين الصحي، هذا غير مسؤولياته التنظيمية بطبيعة الحال. يبعث الطبيب لتلك الولاية فيسلم أوراقه في الوزراة لمديرها العام فيحيله هذا (لعناية) مدير طبي المستشفي، فإذا يمم الطبيب شطر المستشفي لتحظي أوراقه (بعناية) مديرها وجد صاحبنا نفسه. وإذا أراد يوما أن يقضي معاملة ما مع إدارة التأمين الصحي تكرر المشهد مرة ثالثة. كل هذا، ولم يكن لصاحبنا من مؤهل سوي بكلاريوس الطب والجراحة الذي يحمله الآلاف من أبناء هذا الشعب ويجلسون به علي رصيف إنتظر الوظائف، يقود بعضهم ركشات، ويفارق جلهم البلاد فراق غير وامق.

وطفقت أبحث عن سبب لهذه الظاهرة، فلم أجد لها لتفسيرها غير بضعة إحتمالات، أولاها أن الإنقاذ (تعتقد) في هذه (الشلة) وتؤمن بإتيان افرادها للخوارق والمعجزات مما يخالف ناموس طبيعة البشر، فهي لذلك تعمد لهم بالمناصب في غير تخصص وتقلدهم من المسؤوليات عددا ينوء بحمله العصبة أولو القوة. أو أنها ترضي جمعا من (المؤلفة قلوبهم) ممن هجروا أحزابهم الأصيلة أو حركاتهم المسلحة فهي لا تطيق ألا تعهد إليهم بمنصب ما في كل تشكيل جديد خشية أن ينقلبوا عليها ويعودوا علي بدء. هذا بالطبع ينسحب علي المناصب غير ذات السلطان، فهذه لا تخرج عن حلقة صغيرة من الخارقين ممن كانوا يعرفون في أروقة الجماعة في سني الإنقاذ الأولي ب (جيل ما قبل الفتح). ولا يخفي علي فطنتك هنا أن الفتح هنا هو مجئ الإنقاذ الميمون في الثلاثين من يونيو، وأن المقصود بهؤلاء من كان مع الجماعة منذ زمن ولم ينضم إليها من بعد رغبا أو رهبا، فهؤلاء، تمييزا لهم عن الأول، قد خلع عليهم لقب (المستقطبين).

ولعل الحس الأمني العالي للإنقاذ يضيف سببا آخر لإقتصار تلك المناصب علي تلك الحلقة المميزة من خارقي ما قبل الفتح، فهي لا تأمن جانب غيرهم ممن قد ينقلب يوما عليها أو يهدد وجودها من الأساس.

يبقي أن نقول للجماعة التي تحكمنا منذ ربع قرن بشعارات الإسلام، ينسبون إليها التضييق علي العباد وضربهم وتشريدهم في بقاع الدنيا، وغير ذلك ممن علمنا من الأفعال والأقوال وما لم نعلم، أن نبي الإسلام الكريم صلي الله عليه وسلم قال في معني الحديث (من ولي من أمر المسلمين شيئا ثم ولي عليهم أحدا وهو يعلم من هو خير منه فقد خان الله ورسوله) . أم تراهم يؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض؟

الثلاثاء، 24 أغسطس 2010

في ما قد أصاب دفعتنا من شتات

إستفقنا فجأة فإذا بمايو المنصرم قد وافق الذكري الثامنة لتخرجنا ، لفت الأحباب في السودان نظري لحقيقة أن هناك ممن لم نلتق من مر بالكلية قاضيا فيها ست سنوات حسوما . . نظرت إلي حال دفعتنا فإذا بالسبل قد تفرقت بها وذهبت بها الأحوال كل مذهب وتفرقت جماعتها بين أربع من قارات الدنيا الخمس ، فاين هم ياتري ، وكيف أصبحوا ؟

رفاقي في البلاد الآسيوية
في الملايو
وصفاء (فقط) هناك في ماليزيا ، بلد جميل وأهله (في حالهم) ، من بين بعثات الوزارة الكثيرة لماليزيا لم نمثل إلا بصفاء (فقط) في الباثولوجي ، زرناها هذا الصيف فأكرمتنا أيما إكرام وحملتنا علي أكف الراحة رغم كونها قد عادت طالبة . . بدأنا بصفاء لأنها الأبعد من ناحية الشرق ، إذ أنه لم نسمع بمن قد (أشرق) من صفاء فحط رحاله في أستراليا أو الصين . . (أعتقد أن الصين قد زارها خالد صديق ولم يبق بها ولم يعقب).

في الخليج: وأعتقد أن أولاد الشهادة العربية هم أول من يمم شطر الخليج في زمن باكر غير مصدقين أنهم قد نجوا من أحابيل أبو جبل وناس الخدمة . . يمثلنا جمع كريم خير تمثيل في مؤسسة حمد بدوحة العرب فهناك إبنعوف ، سارة عبدالكريم ، تيسير (البنت)، لبني غالي وأمل يوسف . . وقد حاولوا ردحا مع عبدالله الجنيد فابي إلا أن يعود إلي السودان قانعا من الغنيمة بالإياب . . وأعتقد أن النصيب الأكبر قد إستأثرت به الإمارات ، فقد (عادت) إليها ميادة (نبقة) قبل أن تشد الرحال إلي بريطانيا ، وذهب وليد تاج الدين باكرا ، وجربها يوسف قرشي ورجع للسودان ، وجربها آخرون ولم يرجعوا للسودان ! فمازال هناك الرجل الهمام خالد السر ، كشة ، ناجي (ريفالدو) ، وإنضم إليهم أمين الزبال بعد طول حيرة بين القضارف والجراحة و(الكمونية) . . ثم رمتهم دفعتنا بأحد فلذات أكبادها فجاءهم أسامة الهلالي من غياهب الجنوب . . أما السعودية ، فاستأثرت بكدام (بكري شمس الدين) ،شرف الدين أحمد نورين ، وسامي النوراني وهو في السعودية رغم صورته التي تبوأ فيها مقعدا للقتال من علي ظهر جواد في صحراء الهرم ، وأحسب انه قد ذهب لأرض الكنانة زائرا لا محاربا، وقضي سامي أم دوم بالسعودية زمنا قبل أن يعود علي بدء . . وممن أذكره من البنات داليا أحمد يوسف ونجلاء خليفة . وقد كانت عمان في زمن (الفرمالة) الخليجية الجديدة ، يمم صوبها عدد لا يستهان به من ناس كليتنا ، فكان حظنا منهم فوزي الطيب ومحمد مصباح وبهاء الدين وشاعرنا زيكو الذي أخشي أن شعره قد اندفن في قلب الصحراء ، ولعل هناك آخرون لا أذكرهم ، كما لا أذكر أحدا في دول الخليج الأخري كالكويت (وكان أولي الناس بها رائف) أو البحرين ، لكن بكري بشير قد لحق بركب (مغتربي الخليج) من مقاعد (الأقل نموا) فحط رحاله في اليمن مع أطباء بلا حدود ، يقوم ( بالحجازة) بين الحوثيين و (الما) حوثيين جاهدا قدر الإمكان أن لا يأتيه (عكاز) . . وبكري (ولد كلس) ويستحق هنا أن نقف له إحتراما ، فهو ومن قبله سيف وبشير الفيل وندا عبدالله
قد عملوا في أحلك الظروف في دارفور لله والوطن والإنسانية ومرتب لا يغني من جوع . . وعندما تمت (ترقية) سيف وبكري قذفوا بهم إلي حرف سفيان !

بيروت . . بيروت : وقد رمت الأقدار ببعض أولاد دفعتنا حيث لم يكن يخطر علي بالنا ، ففتح لنا خالد صديق آفاق الجامعة الأمريكية ببيروت ثم حاولت بعده شلة أفلح منها الشيخ لينضم إلي (رفيق) الدرب . .وقبل قدوم الشيخ كان خالد الأسمر الوحيد الذي يجوب جنبات الجامعة البيروتية حتي خشينا – ولم تخش ذات خشيتنا مواهب – أن يكون ذلك مدعاة للفت نظر الصبايا إليه ! وقد سلم خالد اللواء للشيخ الآن وعاد للسودان مديرا لبرنامج الطفولة ، ليس قبل أن يمثل الحزب الشيوعي السوداني في المؤتمر العام العاشر لصنوه اللبناني كأصغر مشارك ، وقد رأينا صورا لخالد وقد جلس منهمكا في حوارات عميقة شديد مع أعمامك ذوي نظارات سميكة وصلع ورؤوس أشتعلت شيبا ! .

وأنا في قلب إفريقيا فدائي : وكثر هم الأبطال الذين (ترسوا) لنا السودان . . عزو مازال هناك في (الأرثو بيديكس) بعد أن مالت كفته علي حساب (السايكاتري) ، عبدالله الجنيد وعاصم في (الروادي) وجنب ميري وفي العاملين ، يحافظون جاهدين – ومعهم آخرون – علي تلك التفاصيل الرائعة ، أشرف عثمان وأشرف عبد المنعم في الباطنية وأشياء اخري (كثيرة ومفيدة) ،معتز جعفر وإبراهيم ولا أدري يقينا اين يعملان ، وناس الميز : بكار ومعتز دنقلا وشريف ومعتز خليفة (الأصلي) – كما كانت تنادية إحدي بنات الحياد – (كيتن) في معتز خليفة الشيوعي – وأستاثرت أروقة الوزراة المختلفة بجمع فضيل، فتبوأت مواهب إدارة الصحة المدرسية ، وأمل صلاح (مرؤوسة) خالد صديق في برنامج الأطفال وهي علي (أمل) ألا يكون خالد صديق (شديد علي الموظفين بتوعو) ! وشذا أحمد أيضا هناك ، أما ملاذ البشير ففي برنامج الإيدز . . وفي العاصمة أيضا مسترنا الناجح علاء الدين و محمد يوسف وقد أضحي الأخير قاب قوسين أو أدني من (التوزير) ! ولو كان محمد كوزا لنالها منذ زمن عن جدارة وإستحقاق فهو (هارد ويركر) ، وقد حكي لي تيسير وقد كان في زمن ما منتسبا إلي كلية الطب ببورسودان أنهم كانوا في توقع وفد عالي المستوي لتقييم الكلية بعث به المجلس الطبي ، وبينما هو في قمة الترقب وقد آن أوان حضور الوفد إذا بمحمد يوسف في أول الداخلين ! وعلي ذكر (تبوأ) المناصب فقد ذكرت أن خالد ومواهب علي قمة إدارتين مهمتين بالوزارة ، وقد سمعت أن وليد الحاج المستر الكبير قد ورد في قائمة الترشيحات لمنصب عميد كلية طب عطبرة ، وهو مما يبعث علي الفخر و الخوف في آن ، الفخر مبعثه معروف ، فلك أن (تقشر) بأولاد دفعتك أينما حللت ، لكن الخوف مبعثه إنو الناس ديل كبرونا ياخ ! لك أن تتخيل منظري – إذا فكرت يوما في عروس من كلية طب عطبرة مثلا - وقد أضحي وليد عميدها ! ستولي الفتاة الأدبار إذا وقع في علمها أنني دفعة العميد ، وعلي ذلك قس ! و في الخرطوم أيضا مازن ، عوض الله ،الوليد حسن ، فيصل إبنعوف ، محمد بابكر ، نصر الدين ، والعمرين : إبراهيم والعوض ،الهندي، سامي جلال،مرتضي ، و هاني الطيب الأستاذ الكبير بجامعة نصر الدين ، وهو شديد علي الطلاب بتوعو فاحترس من ذكر إسمه إذا أردت مواددة جكسوية ما بتلك البقاع عالية (البريستسج) . . كما أن الجراحة شيرين في بحري ، وسارة اللعوتة وندي الناير وقد عادت من (غابات كينيا الأزاهر) لتعتنق الكميونيتي ، وسميتها ندي برير في النساء والتوليد ، وعلي ذكر التخصص فسحر بشير أستاذة في الكلية في ذات المجال ، أما لينا الباقر فتعلم الناس البايوكميستري ، وأعتقد أن بكري حسن كان يعلمهم التشريح لردح من الزمن . . أما ناس الأقاليم فهم كثر ، فكما إنتهي الحال بأمل بنت بربربالخرطوم إنتهي بسحر الباقر بنت الخرطوم ببربر ثم عطبرة ، وبمها حمدي ووليد الحاج بعطبرة و الطيب عبدالعال بكدباس طبيبا لا مستطبا ! ، ولن تصدق إذا قلت لك أن تيسير بأي مكان غير بورسودان ، وأعتقد أن معه ميسون ، وكان الضي في الشمالية لا أدري إن كان خرج منها بعد ، والحسين في الدمازين رقم لا يمكن تجاوزه في الدبليو إتش أوو ، وبشير الفيل قضي ردحا من الزمن في دارفور ولا أدري إن كان قد بقي بها أم لا . .

مصر يا أخت بلادي : وهناك مكث خاطر بينما إتخذها الكثيرون معبرا للدنيا الجديدة والقديمة ، مر من هناك مأمون وأسامة والجنيد ومحمد علي وناس ما ليهم حد شخصي (الضغيف) منهم ،وقضي بها مجيب الرحمن زمنا لا أدري أين قد طاب له المقام بعدها . . وخاطر يعالج قلوب المصريين ويكرم وفادة من يمر بالمحروسة من ناس الدفعة فقد كان دائما ولا يزال (شيخ عرب ).

البلاد التي تموت من البرد حيتانها : وقد إستقر جل من شدوا رحالهم إلي أوربا في الجزيرة البريطانية ، لا يغالبون الوحدة فهم كثر ولكنم يغالبون الصقيع ، عدا تماضر فهي في بلاد الغال وقد أضحت تتكلم الفرنسية كأبنائها . . أما الجمع الذي حل ببريطانيا فقد شمل كمبال طبيب الأسرة ورائف وخالد عزالدين وطمبل ووائل عوض الكريم وصلاح إدريس وأيمن حمودي وربما محمد مصطفي ، وفارقها محمد يوسف غير وامق وفارقها إيناس نصر الدين والجراح الكبير عبد الحفيظ أيضا إلي إيرلندا المجاورة لينضما إلي أكبر تجمع لناس الدفعة خارج السودان ، مأمون وراؤول ووائل فزاري و خالد محمود وأيمن توفيق وهيثم صديق، ومن البنات إيناس وسوسن الهادي وسمر جمال . .وهم في نعم حال من التواصل والتآنس فإيرلندا صغيرة يذرعونها من أقصاها إلي أقصاها بسياراتهم ، وقد كانت تفصلني مرة من محمد علي وفارس مسيرة 6 ساعات بالطائرة !

الدنيا الجديدة : وفارس هو أول من هاجر من الرجال ، لحق به بعد حين محمد علي ثم شخصي . . وقد سمعت أن أمين عمر قد فاز أيضا باللوتري ولكنه لم يشد الرحال نهائيا بعد وبقي بإيرلندا . . أما البنات فقد سبقت سلمي الجميع في الخروج من السودان وهي ترفع من ذكر جامعة الخرطوم الآن في مايو كلينيك ، بينما أختارت شذا أمين صقيع كندا. . لحقت بسلمي بعد حين إيمان خيري وإبتهال إبن إدريس وندي المقبول . . ثم جاءتنا نهلة الزبير من إيرلندا ، ومازلنا نأمل في قدوم آخرين ! وقد زارنا راؤول وينتمي إبنه لهذه الأرض ، وزارنا مأمون وتنتمي (كاميرته) لهذه الأرض ، ومر إبنعوف ونجلاء خليفة أيضا من هنا . .
وددت في هذه العجالة تذكير الناس بما إنقطع من حبال الود والتواصل ، ولم يكن في نيتي حصر الجميع ولاأشك أن أسماء شتي سقطت من الذاكرة (مع الصيام خاصة) فلهؤلاء العتبي حتي يرضون ، وحفظ الله هذه الدفعة في حلها وترحالها وممرها ومقرها.

الجمعة، 26 فبراير 2010

أولاد شلتنا (5) - ميرغني



رمضان قائظ كان ذاك الذى قررت إدارة جامعة الخرطوم بدء إجراءات التسجيل لطلاب السنة الأولى فيه . لم أصدق أن التسجيل إنتهى وفررت إلى الدامر لأكمل صيام الشهر تحت رعاية الحاجة ، رغم علمى بان الدراسة ستبدأ فى ذات الشهر.
جئت بعد العيد أجرجر أرجلى لأجد نفسى ( مسطحا ) تماما لا أعرف الفرق بين كلمتى ( زولولجى ) و ( وبوتانى ) ، ولا أعرف موقعى فى قروبات اللابات والذى منه . وزاد تعاستى ، شراسة وهلع أكاديمى لمن صادفتهم من زملاء وتعليق برلومة أعرفها قالت لى ( أين كنت ؟ ) فلما أجبت ( فى الدامر ) أشاحت بوجهها عنى قائلة ( كير لس ) !
ضاقت الدنيا فى وجهى على سعتها وإنتابتنى أفكار سوداوية عن الرجوع للدامر وترك الجامعة . وبينما أنا فى هذه الحالة مارا من أمام البغدادى ( داكا ) للمحاضرة لمحت عاصم – لأول مرة - وقد جلس فى بنش - بذات الطريقة في الصورة أعلاه - أمام كافتريا علوم يقهقه بأعلى صوته وهو يحكى نكتة ما لمحمد على وقد ( دكا ) المحاضرة مثلى شر ( دكة ).
وقد أدركت لأول وهلة أن هذا الضاحك غير المكترث سيكون ( زولى ). وبالفعل ، هدءا من روعى بان ( العلم ملحوق ) وأن الموضوع ليس بالسوء الذى أتخيله.
عاصم صار من بعد فردا أساسيا فى الشلة وممثلنا فى ( الخرطوم ) ، رغم مكوثه شبه الدائم معنا فى الداخلية . طيب القلب وأبيضه ، نقى السريرة ودائم الإبتسامة ضارب بهموم الدنيا عرض الحائط .
وهو رجل الشدائد والمهمات الصعبة ، وأحد أعضاء حركة الطلاب المحايدين القلائل من ( الخناشير ).
ولا ندرى ماذا كان يفعل عاصم بالضبط فى حركة الطلاب المحايدين ، فهو بالتأكيد ليس ( ركانيا ) أو فى المكتب القيادى إذا كان لتلك الحركة واحد . جرب مرة ال ( كولنق ) فترصدنا له تحت ما نسميه نحن بالراكوبة ويسميه ( التانين ) العريشة أو ( الشلتر ) وأعترضنا سبيله فأنفجر ضاحكا وولى هاربا وترك ال ( كولنق ) ليومنا هذا .
لا أصدق أحيانا أن عاصم فعلا كان ( أنصار سنة ) يوما ، فشخصيته اللاجادة لا تناسب أبدا أولئك الناس ( الجادين جدا ) كما لا تناسب دراسة الطب المغرقة فى الجفاف .
فمكان عاصم ، كجل أولا د شلتنا ، ليس كلية الطب . فأغلبنا دخل كلية الطب لأنه شاطر وليس عن رغبة جامحة فى إتعاس حياته .أعتقد جازما مثلا أن مكانى وعبدالله العلوم الإنسانية فهى تناسبنا أكثر ، وعزو ربما كان سيكون محاميا شاطرا ! وعاصم كذلك ، فهو حساس بطبعه وهو شئ لا يدركه إلا من يقترب منه ، والناس شديدو الحساسية لا تناسبهم دراسة الطب و الهندسة وغيرها من العلوم الطبيعية.
لعاصم شرف جرجرة أقدام الشلة للمحاكم لأول و( آخر ! ) مرة .جاء ذات يوم إلى الكلية مضطربا يبحث عن شهود من الزملاء لإثبات إنه كان فى الكلية فى يوم معين سماه . وزاد من صعوبة مهمته أنه لم يكن بطبيعة الحال داخل قاعة البغدادى فى ذاك اليوم عكس معظم أولاد الدفعة . كان قد إتهم من جار له بينهما خصام قديم أنه قد نعته بلفظ ( عنصرى ) ، ودرأ عاصم عن نفسه التهمة بأنه كطالب طب مجتهد كان فى الحرم الجامعى ينهل العلم فى ذات اليوم والساعة.
ملأ الشهود العدول عربة سامى جلال ال ( كارينا ) ويمموا صوب المحكمة ليقوا صاحبنا شر الجلد والسجن ، ولما حل الإشكال وديا رجعوا وقد كفاهم الله شر القتال . وقد وثق جندى ( عبدالله ) لهذه المغامرة فى مقال بديع نشر فى ( لافتات ).
لعاصم صولات وجولات – ليست كما لراؤول - فى عالم الجكس . فهو رهيف القلب ( بكاء ) فى صمت أحيانا وفى صخب أحيانا كثيرة .وقد أنبأنى عبدالله فى آخر إتصال عندما سالته عن أخبار عاصم أن عاصم قد أصابه الإحباط العاطفى ووصل لقناعة مفادها أن البنات لا يحببنه .وتلك لعمرى حيلة إتخذها ليهرب من مواجهة ما قد اصاب جل أولاد شلتنا مما أسميته ( الجبن العاطفى ) . فعاصم وجيه لو حلق ذقنه الشعثاء ووضع فى رأسه بعضا مما يضعه راؤول من ( لغاويس ) ، كما إنه ( حناك ) وقد كانت له مجموعة من بنات حوله فى كل الحقب لم يمتلك الشجاعة ليفتح فمه بكلمة لإحداهن .
فى إحدى الليالى إصطحبت ( زيكو ) وعاصم وقررنا تناول العشاء فى العاملين . فى الطريق صادفنا ( الحلبية ) وهى إحدى بنات عاصم اللائى لم نجد لعلاقته بهن تعريفا واضحا . وقف عاصم معها واشار إلينا أن نواصل وسيلحقنا إلى العاملين .
طلبنا الكثير من الفول والطعمية والبيض واضعين فى حسابنا عاصم الذى لم يأت ابدا. ثم أنه إتصل بعد حين معلنا أنه ليس بمنضم إلينا.
غضبت منه وعنفته من بعد أنه ( باعنا ) والفول ببنت . غير إنى راجعت نفسى ، فصحبة تلك الحسناء كانت لعاصم بالتأكيد خير من مجالستنا أنا وزيكو وفول العاملين . وقد قال أهلنا ( ونسة الضكير للضكير النوم أخير ).

ومع ذلك فعاصم ( أخو أخوان ) وكريم كرم العوارة الذى يميز الجعليين ، وزول حارة. لا أذكر رمضانا لم نتناول فيه إفطارا فى بيت عاصم السابق بالحلة الجديدة واللاحق بأركويت . نسعد هنالك بتناول الطعام الشهى وونسة عمنا ( أبو عاصم ) وقد طعمنا هناك فى غير رمضان مرات عديدة.
بعد التخرج غرق عاصم فى معضلة التخصص المناسب له . فهو مثلى لا يحب ضخام الكتب . فى إحدى التجليات قرر فجأه أنه قد ( وجدها ) أخيرا فالتخصص المناسب له لابد وأنه الطب الباطنى ، ومن ثم دخل ذات ليلة ممسكا ب( كومار ) منضما إلى بعض الزملاء ممن يحضرون للزمالة فى قاعة أنيس . وماهى إلا نصف ساعة حتى جاءنا مندفعا من القاعة كالسهم وجلس فى بنشات أنيس ناعتا من يدرسون كتب الباطنية الضخمة بأنهم ( ولا شك مجانين ) !
إلا إن عبدالله الجنيد قد حل مشكلة عاصم بأن ( جره ) جرا إلى ما يسمونه ( بالروادى ) أو الأشعة . لم يكن عاصم جادا كعادته وهو يجلس لإمتحان ( السلكشن ) ، وعندما إجتازه بذل عبدالله جهدا مضنيا ليقنع عاصم بالإنخراط فى التدريب ومن ثم الجلوس لإمتحان الجزء الأول الذى – بنفس عدم الجدية – إجتازه أيضا !
وكنت دائما أقول أن عاصم بعد أن يصبح أخصائيا لابد له من إقامة تمثال لعبد الله !
لعاصم – نائب إختصاصى الأشعة الكبير – سيارة فارهة الآن ووضعا إجتماعيا مميزا . غير أن ذلك كله لم يغريه بكسر حاجز ( الجبن العاطفى ) أو التوقف عن الشكوى لعبدالله عن عدم ( حب البنات له ) !